"يُمضي الفريق أطول وقت ممكن في الثلث الأخير من أرض الملعب. ويأخذ وقته في التعامل مع الكرة. انتبهوا لما يجري هنا: كيف يلعبون مع لاعبي جناح سريعين ومستعدين لشن هجمة مرتدة، وحتى وإن كانت الكرة ليست بحوزتهم."

عندما يستمع المرء إلى مثل هذه المحاضرة، يسهل عليه أن يكون على ثقة بأنها من مدرب لكرة القدم يعطي تعليماته لفريقه حول الخصم. إلا أن الفهم المعمّق للعبة أصبح أكثر وأكثر جزءاً محورياً من تحضيرات عنصر أساسي آخر في عالم كرة قدم النخبة، ألا وهو الحكم.

تمثل الدراسة المعمقة والشاملة للخصائص التكتيكية والفنية لكرة القدم الحديثة عنصراً أساسياً للندوات التي يحضرها الحكام المرشحون لإدارة مباريات كأس العالم روسيا 2018 FIFA وكأس العالم للسيدات فرنسا 2019 FIFA. يحضر رئيس الشعبة الفنية لدى FIFA، جان بول بريجر، كل هذه الندوات القارية، وهو على أتم الاستعداد دائماً للإشارة إلى التوجهات القائمة حالياً في اللعبة وكذلك تقديم بيانات تحليلية لمساعدة الحكام على فهم اللعبة بشكل أفضل، وتوقّع أنماط السلوك على أرض الملعب، وفي النهاية تحسين الموقع الذي يتخذونه في المستطيل الأخضر واتخاذهم للقرارات.

وفي أعقاب ندوة خاصة بالحُكام في اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي لكرة القدم CONCACAF وأمريكا الجنوبية، والذي استضافته مدينة ميامي بين 25 و29 أبريل/نيسان، قال بريجر "لطالما كان فهم اللعبة هاماً بالنسبة للحكام بطبيعة الحال، ولكن عندما أصبح إيقاع اللعبة سريعاً للغاية، ومع تبنّي تنوّع هائل من التكتيكات، أصبح الأمر في غاية الأهمية في عالم نخبة كرة القدم. فعلى سبيل المثال، إذا كان الفريق يضغط بشكل مستمر على دفاعات الخصم أثناء استحواذه على الكرة، فإن لهذا أثراً مباشراً على الموقع الذي يجب أن يتواجد فيه الحكم، وسبب ذلك معرفة أن هناك احتمالاً أكبر بالحاجة لاتخاذ قرار، والأفضل أن يبقى الحكم قريباً من الكرة. هذا نوع من المعارف يأتي بثماره بشكل واضح."

معارف أكثر، أخطاء أقل
منذ أن استلم رئاسة قسم الحُكّام لدى FIFA سنة 2011، لا يدخر ماسيمو بوساكا جهداً للوصول إلى اتساق ووحدة في اتخاذ القرارات بين الحكام. وفي الوقت الذي أخذ FIFA خطوة غير مسبوقة بإجراء تحضيرات مشتركة بين الحُكام والحَكَمَات استعداداً لنسختي كأس العالم المقبلتين، يعتبر الحكم الدولي السويسري السابق أن الفهم الفني للمباراة يمثل سلاحاً آخراً لتقليل كمّية الأخطاء بالقدر الذي يسمح به الإنسان.

وأضاف بوساكا "أحاول أن أدمج كل عنصر يمكن أن يقلل من الأخطاء. معرفة الجوانب المحيطة بالمباراة وطرفيها قد يكون سلاحاً في هذا الصدد. لن تختفي الأخطاء، ولكننا دائماً ما نحاول أن نرفع المعايير. فالحَكَم الذي يتّخذ عشرة قرارات هامة، واحد منها خاطئ فقط، قد يكون حَكَماً على أعلى مستوى. أما في حال ارتكب خطأ أو خطأين، فإنه لن يكون حَكَمَاً على أعلى مستوى."

لاقت الجلسات التي قّدمها بريجر اهتماماً هائلاً من قبل الحكام والحَكَمَات المرشحين لإدارة مباريات كأس العالم FIFA، حتى أن الإهتمام كان أكبر عندما تعلّق الأمر بمباراة للسيدات كانت تسير بإيقاع سريع وواضح.

وعقب الدورة في ميامي، قالت الحَكَمَة الكندية كارول آن تشينارد "الحصول على تدريب من الناحية الفنية يسمح لنا أن نفهم سبب قيام اللاعبين بأمور معينة، وأن نتعرّف على التوجهات السائدة في المباريات والتأقلم مع ذلك. الحصول على رأي القسم الفني وتحليله أظهر للحكام تطوّر اللاعبين وتكتيكات الفرق. يساعدنا هذا على تحضير أنفسنا بشكل مناسب للتعامل مع ما سنراه على أرضية اللعب."

وبالنظر إلى أنه شارك في البرازيل 2014 عندما أصبح أول حكم أمريكي يُدير مباراة في أدوار خروج المغلوب من كأس العالم FIFA، أعرب مارك جيجر عن سعادته بأن يرى التركيز يتوجّه إلى الدراسات الفنية في ميامي.

وأضاف قائلاً محاولاً شرح الهدف النهائي ـ وغير السهل على الإطلاق ـ بأن يكون قادراً على توقّع الأفعال "التموضع الجيد واتخاذ الزاوية الصحيحة هو أمر جوهري في تقييم الحالات خلال مباراة، لأنه من دون ذلك، لا يمكن للحكم أن يأخذ قراراً صحيحاً. التعرف على كيفية لعب الفرق سيُساعد الحكم على تحديد مكان المرحلة التالية من اللعب وما الذي سيجري."