إذا كان اسم جيوسيبي مياتزا مرادفاً لسيطرة إيطاليا على كأس العالم FIFA في الثلاثينات، فإن إسماً آخر أكثر تواضعاً تألق لدى تتويج الأزوري باللقب العالمي الثاني، يستطيع أن يفخر بكونه أعظم مهاجم أنجبته الملاعب الإيطالية ولم تشهد له مثيلاً منذ عقود كثيرة.

يتذكر عشاق الدوري الإيطالي الإسم والإرث الذي تركه مياتزا في كل مرة يلعب فيها إنتر ميلان على ملعبه، لكن يتعين على أنصار اللعبة أن ينزلوا درجتين ليصبح اسم سيلفيو بيولا مألوفاً أكثر بالنسبة إليهم لأن ملعبين اثنين يحملان اسم مهاجم منتخب إيطاليا الشهير. قام ناديا برو فيرتشيلي في الدرجة الثانية، ونوفارا بلفتة تجاه بيولا بعد وفاته عام 1966 من خلال اطلاق اسمه على الملعبين الخاص بهما نظراً للتأثير الكبير له على الفريقين.

لا يزال بيولا أفضل هداف في تاريخ الدوري الإيطالي للدرجة الأولى برصيد 274 هدفاً في 556 مباراة على الرغم من أنه خاض آخر مباراة له قبل ستين عاماً. وقد تداولت الصحف بإسم بيولا في السنوات الأخيرة بعد أن أعرب قائد روما المخضرم عن رغبته بتحطيم رقم بيولا. كما أن بيولا ينفرد بأنه توّج هدافاً للدوري مع ثلاثة أندية مختلفة بينها لاتسيو الغريم التقليدي لروما في العاصمة الإيطالية.

وكان مياتزا وبيولا على طرفي نقيض، فالأول كان يعتبر من لاعبي النخبة الذين كانوا يمتعون الأنصار المحتشدين في ملعب سان سيرو الذي يطلق عليه لقب "كاتدرائية ميلانو"، في حين كان بيولا سعيداً باللعب لرعيته وهذا ما يجسد تواضعه، وطبيعته في بذل الجهود وكان يلقى الإشادة من الجميع.

كان بيولا يتميز بالجهود الكبيرة التي يبذلها على أرضية المستطيل الأخضر وشجاعته، فكان رأس حربة من طينة مختلفة. كان يستطيع التسجيل من داخل وخارج منطقة الجزاء، يتميز بتسديد الكرات الرأسية، ويملك قدرة على التواجد في المكان المناسب في الوقت المناسب داخل منطقة الجزاء.

كان يملك ساقين طويلتين تساهمان في التهام الأرض أمامه وترك إرثاً كبيراً ظلت أجيال كثيرة تتحدث عنه على مدى عقود عدة وأصبح مرجعاً للاعبين الذي يشغلون مركز رأس الحربة. ويقول الصحافي جيانباولو أورميزانو "على مدة فترة طويلة كان لا يمكن الحديث عن مهاجم بطريقة إيجابية من دون القول ’أنت تقول ذلك فقط لأنك لم تشاهد سيلفيو بيولا يلعب‘."

كان تماماً نقيض مياتزا خارج الملعب بتواضعه، بإنطوائه على نفسه والتمتع بالحياة الهادئة. كان يجد لذة كبيرة في الذهاب إلى الصيد برفقة كلابه الثلاثة من دون أن يبرز خصائصه كرجل وسيم (لم يكن يشرب أو يدخن) وهي ميزات كانت مرادفة لمياتزا.

كسب شعبية كبيرة لأنه كان يعيش حياة بعيدة عن الأضواء، وكونه سجل خمسة أهداف في كأس العالم فرنسا 1938 FIFA عندما بات منتخب إيطاليا أول فريق ينجح في الإحتفاظ بلقبه العالمي. لعب بيولا دوراً حيوياً خلال الفوز على النرويج والدولة المضيفة حتى أن الصحافة المحلية أطلقت عليه لقب "جلاد فرنسا" بعد العرض اللافت الذي قدمه في مواجهة البلد المضيف. ويتذكر الصحافي البريطاني براين جلانفيل "لم يشكل خطورة فقط على مرمى فرنسا، لكن كان يقوم بتوزيع الكرات بشكل رائع بكلتا قدميه وبرأسه، ويتنقل بشكل ذكي على الأطراف."

حصل بيولا على ركلة جزاء حاسمة في ترجيح كفة بلاده على البرازيل في نصف النهائي لينتزع بطاقة التأهل إلى النهائي لمواجهة المجر. كان مياتزا رأس الحربة الصريح في المنتخب الإيطالي، في حين لعب بيولا في الوسط. ونجح لاعب إنتر ميلان في التألق من خلال تمرير ثلاث كرات حاسمة، لكن بيولا هو الذي خطف الأضواء من خلال تسجيله هدفين ثانيهما حسم النتيجة نهائياً 4-2 لمصلحة فريقه قبل نهاية اللقاء بثماني دقائق.

أشاد الجميع بأداء بيولا بعد المباراة وتحديداً منافسه المجري بال تيكوس صاحب أحد هدفي فريقه في المباراة النهائية والذي قال "يملك بيولا قوة بدنية هائلة ودائماً ما يتفوق على منافسيه. يستطيع أن يتألق في أكثر من مركز وهو قلب هجوم يتمتع بشجاعة كبيرة. لقد استغل كل فرصة للتسديد صوب المرمى."

بيد أن بيولا وكعادته كان متواضعاً عندما وصف المباراة بقوله "كنا نحن من أطلقنا كرة القدم الحديثة التي تعتمد على القوة البدنية، لكن بعد المباراة النهائية يتعين علينا الإعتراف بأن لاعبي المنتخب المجري تفوقوا علينا من الناحية الفنية."

ومن أجل بلوغ المجد، كانت بداية بيولا متواضعة جداً. كان برو فيرتشيلي قد أحرز لقب الدوري الإيطالي سبع مرات بين عامي 1908 و1922، لكن حقبة سقوطه إلى الدرجات الدنيا في الكرة الإيطالية بدأت بعد التتويج الأخير. لكن بيولا نجح في إبقاء فريقه بين أندية النخبة خلال تواجده في صفوفه على مدى خمسة مواسم حيث خاض أول مباراة رسمية معه عام 1930 عندما كان في السادسة عشرة من عمره.

خلال 127 مباراة خاضها مع برو فيرتشيلي سجل بيولا 51 هدفاً لكن الفريق اكتفى بإحتلال المركز السابع في آخر موسم له معه. وكان رئيس النادي قال مشيداً بتألق مهاجمه "لن نبيع بيولا أبداً، ولا حتى مقابل ذهب العالم بأكمله، لأننا عندما سنتخلى عنه، فإن انحدار برو فيرتشيلي سيبدأ." نصف هذا الكلام كان صحيحاً لأن النادي اضطر إلى بيعه لمصلحة لاتسيو مقابل 300 ألف ليرة إيطالية وهو مبلغ ضخم في تلك الفترة قبل أن ينهي الفريق الموسم التالي في المركز الأخير برصيد 15 نقطة فقط.

توّج بيولا هدافاً للدوري الإيطالي مرتين مدافعاً عن ألوان "بيانكوسيليسيتي" وقد أطلق عليه أنصار لاتسيو لقب "بيولا-جول" لأن الأهداف وبيولا كانا مرادفاً لإسم واحد بحسب الصحافي الإيطالي جياني مورا.

بعد قيادته إيطاليا إلى كأس العالم 1938 FIFA، دعاه رئيس الوزراء الإيطالي بينيتو موسوليني إلى لقاء، ويروى بأن الأخير كان من أنصار لاتسيو نظراً لتواجد بيولا فيه. لم يكن بيولا من أنصار الفاشية لكنه كان يشعر بالفخر لكونه إيطاليا، ولهذا السبب قام بما كان مطلوب منه خلال عهد موسوليني.

وقال بيولا لاحقاً "في تلك الأيام، كان الحب الذي نكنه للبلاد كبيراً خلافاً لما عليه الحال اليوم. هذا لا علاقة له بالفاشية. شعرت بالتأثر عندما طلب رئيس الوزراء مقابلتي وقال لي بالحرف الواحد ’لقد قمت بعمل رائع. إيطاليا فخورة بك‘."

تأثرت مسيرة بيولا كثيراً خلال الحرب العالمية الثانية حيث انفصل عن لاتسيو بعد رحلة قام بها إلى فيرتشيلي حيث كانت إيطاليا منقسمة خلال تك الفترة. بعد أن دافع عن ألوان ناديي تورينو ويوفنتوس، لعب في صفوف نوفارا في الدرجة الثانية حيث اعتبر كثيرون بأن اللاعب دخل خريف عمره. بيد أن بيولا نجح في قيادة الفريق إلى الدرجة الأولى واستمر في صفوفه لسبعة مواسم إضافية ليضيف 70 هدفاً في الدرجة الأولى إلى رصيده.

لم يخض بيولا أول مباراة دولية له إلا في عام 1935، لكنه عوّض الوقت الضائع بتسجيله هدفين في مباراته الأولى من أصل 30 سجله في مسيرته الدولية. قد لا يكون بيولا يملك فنيات مياتزا، لكنه كان يتميز بتسديداته على الطاير وكراته المقصية الرائعة، لكن أشهر محاولة له لم تكن صائبة. فخلال المباراة الدولية ضد إنجلترا في مدينة ميلانو، حاول القيام بضربة مقصية، لكنه في النهاية نجح في تحويل الكرة بيده داخل الشباك وقد اعتبر الحكم الهدف صحيحاً. وفي تلك الحركة، تسبب بيولا بإصابة مدافع إنجلترا جورج مايل بعينه.

ونفى بيولا عى مدى 15 عاماً تلك الحادثة حتى أن الصحافة الإيطالية منعت من التحدث عنها لكن المهاجم الإيطالي اعترف لاحقاً "رفعت يدي فوق رأسي فارتطمت بها الكرة ودخلت الشباك." كما سامحه مايل على الإصابة التي لحقت به وقال "لم يكن يقصدها، لقد كانت حادثة ليس إلا."

احتشد 95 ألف متفرج قبل أربع ساعات من انطلاق المباراة الأخيرة لبيولا عام 1952، كما نام أنصار اللعبة في إحدى صالات السينما لمتابعتها على شاشة كبيرة. وكتب الصحافي جياني بريرا في رسالة مفتوحة إلى بيولا مناشداً إياه عدم الإعتزال لما يجسده للشعب الإيطالي بقوله "عامة الشعب تنظر اليك كمثال يحتذى به. يجب أن تبقى بالنسبة إلينا كما عهدناك دائماً...شخص رائع وقدوة."

هل تعلم؟

  • كان خال بيولا جيوسيبي كافانا الحارس الإحتياطي لإيطاليا في نهائيات كأس العالم 1934 FIFA.

  • سجل بيولا ستة أهداف في مباراة واحدة في مرمى فيورنتينا عام 1933 وهو رقم قياسي في الدوري الإيطالي للدرجة الأولى لا يزال صامداً حتى اليوم.

  • أعلنت احدى الصحف الصادرة في روما بالخطأ عن وفاة بيولا نتيجة القصف المدفعي في الحرب العالمية الثانية، وقد ارتدى لاتسيو الشارات السوداء مرتين يفصل بينهما أكثر من خمسين عاماً.

  • سجل بيولا 27 هدفاً في 23 مباراة في موسم واحد مع تورينو، لكن لسوء حظه، ألغيت نتائج الموسم لتوقف الدوري مرات عدة بسبب الحرب.

  • تم اكتشاف موهبة بيولا من قبل كاهن يعشق كرة القدم ويدعى دون ساسي، وقد خضع لأول تجربة له في صفوف نادي برو فيرتشيلي.