كل بلد أو بالأحرى كل منتخب كرة قدم في العالم لديه مباريات مقرونة بذكريات مميزة، سواء بالمعنى الإيجابي أو السلبي. فالألمان مثلاً يستحضرون بشكل خاص نهائي كأس العالم 1954، المعروف أكثر بمعجزة بيرن. أما البرازيليون فبات لديهم كابوس جديد منذ عام 2014 بعدما تعرضوا على أرضهم وأمام جماهيرهم لهزيمة تاريخية بنتيجة 1-7 على يد المنتخب الألماني في دور نصف النهائي لأم البطولات.

وحتى الجارة النمسا تحتفظ بذكريات خاصة ومميزة تربطها بالفريق المتوج باللقب العالمي أربع مرات. ففي كل مرة يتواجه فيها المنتخبان تستعيد الأذهان انتصار أبناء النمسا بنتيجة 3-2 في بطولة كأس العالم 1978 FIFA التي أقيمت في الأرجنتين.

لم يكن الفريق النمساوي قد ذاق طعم الفوز خلال 37 سنة أمام الأخ الأكبر والأكثر قوة وتجربة وحامل اللقب العالمي في ذلك الوقت، غير أن هذه السلسلة السلبية بلغت نهايتها في الأساس بفضل الهداف هانس كرانكل الذي تحوّل إلى أسطورة في بلده بتوقيعه على ثنائية في تلك المواجهة القوية. ويصف أبناء النمسا هذه المباراة بمعجزة كوردوبا في حين يعتبرها الألمان فضيحة كوردوبا.

كان كرانكل قد صرّح في وقت سابق قائلاً "كنا نملك في ذلك الوقت أفضل منتخب في التاريخ! سافرنا إلى الأرجنتين دون تطلعات كبيرة. وقد كنا نعتبر فريقاً مجهولاً في تلك البطولة وأثبتنا أنه يمكن لبلد صغير في عالم كرة القدم أن يحقق المفاجآت. وفي نهاية المطاف كانت كوردوبا تتويجاً لنا جميعاً." ثم تابع حديثه معلقاً على النصر التاريخي المحقق على حساب الفريق الألماني "لقد حققنا الفوز على المنتخب الألماني مرة واحدة في خمسين سنة."

لا يريد بذلك التقليل من قيمة هذه المباراة المهمة، لكنه  يود أن يلفت الانتباه إلى أن التنافس بين البلدين لم يبتسم لفريقه سوى نادراً، وبالتالي يعتبر هذا النصر التاريخي عزاءً بسيطاً فقط.

من فيينا إلى برشلونة
لقد أحدث ذلك النجاح تحوّلاً كبيراً في مشوار كرانكل الذي كان يبلغ حينها 25 سنة من العمر. فالأهداف الأربعة التي سجلها هذا المهاجم في النهائيات العالمية جعلت نادي برشلونة يتعاقد معه مقابل 2.5 مليون مارك ألماني. بين الفوز على ألمانيا وتوقيع العقد مرّت سبعة أيام فقط. والغريب في الأمر هو أن كرانكل كان قبل ذلك قد اتفق على الانتقال إلى نادي فالنسيا قبل أن يعلن برشلونة اهتمامه. مهارته في التسديد وبراعته في مداعبة الكرة بالقدم اليسرى إلى جانب قوته الكبيرة في الضربات الرأسية، كلها أسباب كانت كافية لجذب اهتمام الأندية الكبيرة. وعلى حد تعبيره، كان قرار الانتقال إلى الفريق الكاتالوني سهلاً بالنسبة له.

كانت الآمال المعلقة على كرانكل كبيرة علماً أنه نجح في الموسم السابق للعرس العالمي في تسجيل 41 هدفاً بقميص رابيد فيينا ليثبت بذلك مؤهلاته الكروية الرائعة ويتوج أفضل هداف في أوروبا. وفي نفس السنة احتل عند اختيار أفضل لاعب في القارة العجوز المركز الثاني خلف كيفين كيجان (إنجلترا).

وبدون صعوبات في التأقلم استطاع "هانسي بورلي"، وهو اللقب الذي كان بطلق عليه في وطنه، أن يواصل تألقه حيث أحرز في موسمه الأول 29 هدفاً من أصل 69 هدفاً سجله الفريق الكاتالوني في الدوري، متجاوزاً بذلك الرقم القياسي الذي كان في حوزة اللاعب الأسطوري ألفريدو دي ستيفانو منذ عام 1957.

وكان مدرب البارسا في ذلك الوقت لوسيان مولر قد أشاد به قائلاً "أنت أفضل من رأيته يسدد بالقدم اليسرى منذ فيرينك بوشكاش." كما وصف كرانكل فريق برشلونة على أنه "جنة، وأفضل ما يمكن أن يحدث لأي لاعب." وقد حمل قميص برشلونة لمدة سنتين تمكن خلالها مجدداً من توجيه ضربة موجعة للألمان. ففي نهائي كأس أوروبا للأندية الفائزة بالكأس عام 1979 سجل في مدينة بازل الهدف ما قبل الأخير 4-2 في شباك فورتونا دوسلدورف.

العودة إلى الديار
لم تسر الأمور بشكل جيد في عامه الثاني في برشلونة، وهو ما دفع كرانكل الذي جرّب في سن الخامسة عشرة أن يلعب كحارس مرمى للعودة إلى مدينته الأصلية فيينا وأحضان ناديه رابيد حيث بدأ مسيرته الكروية ويشعر براحة كبيرة. وكان قد خاض 449 مباراة (336 هدفاً) باللونين الأخضر والأبيض. وفي عام 1999 لم يتم وضعه في فريق رابيد للقرن فحسب، بل اختير أفضل لاعب في نادي رابيد خلال القرن. فقد حصل خمس مرات في المجموع (أعوام 1973 و1974 و1977 و1982 و1988) على جائزة أفضل لاعب في النمسا في السنة.

ومباشرة بعد نهاية مسيرته الاحترافية انتقل كرانكل إلى عالم التدريب حيث لم يلاق نفس النجاح الذي حققه كلاعب. فقد وقّع على عشر محطات تدريبية بين عامي 1989 و2009 من بينها ثلاث سنوات قضاها كمدرب لمنتخب النمسا. وقد علق في هذا السياق قائلاً "لقد عشت فترتي. كانت لدي نجاحاتي أو إخفاقاتي كما يسميها المنتقدون" مضيفاً "إن إنجازي الأفضل كان هو زواجي الذي دام 40 سنة."

لكن كرانكل لم يكن يجيد لعب كرة القدم فقط. ففي فترة السبعينات حاول أن يشق طريقه في عالم الفن حيث أنشد أغنية "بيتمان بين أي". وفي يناير/كانون الثاني 1986 حط من خلال أغنية غلاف بول أنكا "لونلي بوي" في المركز الثاني على مستوى الأغاني الأكثر شعبية في النمسا. هذا وقد كان ضيفاً مرحباً به في أوساط الفنانين والمثقفين.

ومع ذلك، تحول الجوليادور أو منقذ كرة القدم النمساوية أو الهانزي أو النسر الليلي أو قاذفة القنابل الرمادية، وهي بعض الألقاب التي أطلقت على كرانكل، إلى بطل خالد لكرة القدم النمساوية، ولا شك أن ذلك يعود جزئياً أو كلياً إلى معجزة كوردوبا.

هل تعلم؟

  • عشق الوطن على طريقة كرانكل: خلال مسيرته الاحترافية التي دامت 20 سنة لعب هذا الأب لثلاثة أطفال في سبعة أندية مختلفة. وباستثناء برشلونة كانت جميع هذه الأندية من النمسا.

  • تمكّن كرانكل من تسجيل ستة أهداف في مباراة واحدة عند فوز منتخب النمسا عام 1977 بتسعة أهداف نظيفة على مالطا. وهو إنجاز لم ينجح في تحقيقه أي لاعب من بعده.

  • كان كرانكل منذ عام 1986 ينشط في عالم الموسيقى تحت اسم "يوهان ك." ولم يصدر خلال مسيرته الاحترافية سوى أغنيتين فقط. وبين عامي 1974 و2008، وقّع في المجموع على ثلاثة ألبومات وتسع أغاني منفردة.

  • "يجب علينا تحقيق الفوز، وجميع الأمور الأخرى تعتبر أساسية،" تعد المقولة من تصريحات كرانكل الأسطورية.