كانت القامة الطويلة، 1.90 سنتمتراً، والجسم النحيل أولى الميزات التي لاحظها العديد من المتتبعين في لاعب خط الوسط المهاجم عندما التحق بنادي بوتافوجو دي ريبيراو بريتو في سن السابعة عشرة. وبعد أن بدأ يلمس الكرة لم يحتج للكثير من الوقت لإظهار سماته الأخرى: رغم طوله كان أسرع مما يمكن تصوره وكانت لديه نظرة ثاقبة داخل الملعب وحس تهديفي، بالإضافة إلى تمريراته الدائرية بالكعب.

ولم يكن يفعل ذلك تعالياً، بل كان الشاب سقراط قد وجد طريقة لحماية نفسه من المدافعين الأكثر شراسة. وقد شرح النجم البرازيلي ذلك بعد سنوات في كتاب "ريكادوس دا بولا" لخورخي فاسكونسيلوس "في بداياتي في بوتافوجو كانت بنيتي الجسمانية أضعف من الخصوم. كنت أواجه لاعبين يمتلكون مؤهلات بدنية كبيرة، لهذا كان علي اللجوء إلى تقنيات بديلة."

وأضاف مسترسلاً "بدأت اللعب بلمسة واحدة فقط. كنت أستقبل الكرة وأمررها على الفور لأنه لم يكن بإمكاني الدخول في صراع بدني. لم يكن لدي بنية جسمانية قوية: كنت طويل القامة ونحيفاً. كان علي البحث عن أي طريقة لتمرير الكرة بالعقب وبالركبة وبالكوع، بالإضافة إلى التمريرة بالكعب التي كنت أتميز بها. كانت طريقة لمقاومة الخصوم داخل الميدان. كان هذا هو الحل لتحسين أدائي."

استغرقت العملية عدة سنوات، وتحسن أداء سقراط حتى تحوّلت تلك اللمسة إلى ماركة مسجلة. ولكن السرعة في التفكير، وخصوصاً ذكاءه الخارق أثرا أيضاً بشكل متزايد على توجهاته في الحياة داخل الملعب وخارجه. في بداية الثمانينات، درس الطب وتحوّل لمعبود جماهير كورينثيانز والمنتخب البرازيلي. وقد استفاد من هذه الميزات الأخرى ليتخطى حدود المستطيل الأخضر.

كانت الديكتاتورية العسكرية في تلك الفترة لا تزال حاضرة بقوة في البلاد عندما قرر سقراط تزعم إحدى الحركات الأكثر ثورية في عالم كرة القدم: "الديمقراطية الكورينثيانية". حيث أظهر في حملة انتخابية لصالح "انتخابات مباشرة الآن" -حركة شعبية تنادي بحق التصويت المباشر في الانتخابات الرئاسية- أنه ليس مجرد صانع ألعاب في المستطيل الأخضر، بل شخصية مؤثرة في جميع قطاعات المجتمع.

وفي هذا الصدد، أكد جوكا كفوري، أحد أهم الصحفيين البرازيليين في فيلم "الأبطال والتفاصيل" - "الديمقراطية الكورينثيانية" قائلاً "سقراط هو اللاعب أكثر أصالة في تاريخ كرة القدم البرازيلية،" مضيفاً "لا أقول إنه الأفضل ولا حتى في كورينثيانز -ريفيلينو أفضل منه-، ولكنه الأكثر الأصالة في كورينثيانز والسيليساو."

ثوري
قبل أن يصبح صانع ألعاب وناشط سياسي سابق لزمانه، بدأ سقراط في وقت مبكر تمييز نفسه عن الآخرين. في السابعة عشرة من عمره، على سبيل المثال، أقنع قادة بوتافوجو بأنه قادر على التوفيق بين التزامات النادي ودراسة الطب التي لم يتممها في تلك الفترة. كان مختلفاً عن زملاءه، بحيث أثبت أن تخفيف وتيرة التداريب لن يأثر على المستقبل - أو على حياته الاحترافية- وأن مجهودات القادة لقبول مثل هذه الشروط ستعطي ثمارها.

بعد سنوات، وبعد حصوله على دبلوم في الطب، غادر ريبيراو بريتو بطلاً وانتقل إلى كورينثيانز، ليواصل صعوده إلى القمة بوصوله إلى المنتخب البرازيلي الذي كان يستعد لخوض نهائيات كأس العالم أسبانيا 1982 FIFA. بعد حمله شارة القيادة في كتيبة تيلي سانتانا، دخل سقراط في شراكات لا تنسى مع زيكو وفالكاو بتمريرات سريعة -العديد منها بالكعب طبعاً- وتبادلات كثيرة في المراكز. سجل هدفين جميلين في كأس العالم ضد الاتحاد السوفيتي وإيطاليا، ولكنه بكى مع ملايين المواطنين البرازيليين بسبب الهزيمة غير المتوقعة ضد إيطاليا باولو روسي.

رغم أن تلك الهزيمة أصبحت واحدة من أكبر الإحباطات التي عاشها في مسيرته (حيث سيقول لاحقاً "كانت أسوأ ثلاثين يوماً في حياتي")، ترك سقراط بصمته إلى الأبد في تاريخ كرة القدم العالمية كقائد لجيل جمع بين السحر والفرح وكان واحداً من أفضل ممثلي الأسلوب البرازيلي الحقيقي. وقد حلل قائلاً "كان عدم فوز أحد أعظم الفرق في التاريخ بكأس العالم مأساة حقيقية ومنح هالة أسطورية للفريق."

فلسفة اللاعب
شكل سقراط مع ذلك الفريق أيضاً الأسس التي سيستغلها لاحقاً لكسر نماذج كرة القدم المحلية، وذلك بفضل التعايش مع لاعبين آخرين لديهم شخصيات قوية والحرية التي منحها تيلي سانتانا للمجموعة. حيث أكد سقراط لمجلة مجلة إي إس بي إن قائلاً "كان محافظاً، ولكنه كان المدرب الأكثر ديمقراطية الذي عرفته في حياتي. لم يكن يفرض على أي فريق طريقة محددة للعب. كان يترك المجال للتكوين الذاتي."

وفي كورينثيانز، استخدم نفس الفلسفة للقيادة، جنباً إلى جنب مع زملاء مثل كازاجراندي وزينون وفلاديمير، حيث تسمح هذه السياسية المبتكرة للاعبين والمسؤولين بالمشاركة في اتخاذ القرارات بشأن قضايا مثل أوقات التداريب والطيران وحتى إلغاء المعسكرات إلى جانب رئاسة النادي.

وقد أكد سقراط قائلاً "كانت مجموعتنا تفكر بشكل مختلف عما كان سائداً، ولكننا لم نكن نتخيل أبداً أننا يمكن أن نخلق ثورة،" مضيفاً "في تلك الفترة كانت هناك مساواة تامة في التصويت. كان صوت المدلك يساوي صوت المدير؛ وكان للحارس الثالث نفس الوزن الذي كان لي، علماً أنني كنت اللاعب الوحيد في الفريق الذي يلعب مع المنتخب. كان أروع شيء في العالم."

بين 1982 و1984، ستساهم "الديمقراطية الكورينثيانية" للنادي برفع البطولة الإقليمية، ولكن الإنجاز الحقيقي كان نشر الوعي السياسي لتلك المجموعة والطريقة التي استغلت بها هذه الأفكار بشكل أوسع داخل المستطيل الأخضر. تحدث سقراط، على سبيل المثال، مرات عديدة في التجمعات من أجل "انتخابات مباشرة الآن" وحتى وعد بعدم قبول عرض للإنتقال إلى فيورنتينا في حال حدوث التغيير السياسي الذي لم يتحقق في الأخير، وبالتالي سافر إلى فيورينتينا.

العاطفة الأبدية
ولكن مروره بإيطاليا كان سريعاً. حيث أكد الأسطورة البرازيلية قائلاً "كانت ردة فعل إزاء سياسة البلاد. لم يكن لدي أي مصلحة عاطفية في ذلك. عشت عاماً حزيناً هناك وعدت إلى الديار. عالمي هنا (البرازيل)." في سن الـ31، دافع عن قميص فلامينجو وسانتوس ولعب كأس العالم FIFA مرة أخرى تحت قيادة تيلي سانتانا، ولكنه تعرض لصدمة أخرى بعد تضييع ركلة الجزاء في المباراة التي خسرها السيليساو أمام فرنسا في الدور ربع النهائي في كأس المكسيك 1986 FIFA.

ولكن لا شيء سيغير الإرث الذي تركه. بغض النظر عن أنه فريدة من نوعه وثوري وذكي، عاش كلاعب مسيرته الإحترافية بتفان وحمل بفخر قميص البلاد الذي قاتل كثيراً لتحسين وضعيته. في نهاية المطاف، كان سقراط برازيليرو سامبايو دي سوزا فييرا دي أوليفيرا قبل أن يصبح لاعباً عظيماً، ما كان يعنيه اسم عائلته: برازيلي عظيم.

هل تعلم؟

  • قبل أول ظهور له مع بوتافوجو في ملعب باكايمبو، كان سقراط على وشك تضييع الفرصة. حيث كان في ريبيراو بريتو يجري اختباراً، وأخذ سيارة أجرة على عجل ووصل إلى الملعب في معطف أبيض قبل 20 دقيقة من بداية المباراة. بعد ذلك دفع ثمن التذكرة ولم يتمكن من دخول الملعب إلا بعد أن تعرف عليه أعضاء اللجنة. وسجل هدفاً في الهزيمة (4-1) ضد كورينثيانس.

  • خلال "الديمقراطية الكورينثيانية"، كان صوت سقراط حاسماً لوضع حد لسياسة المعسكرات قبل المباريات. كان خطابه بسيطاً "هل تتصور معي دخول جراح القلب في معسكر؟ لماذا إذاً سيحتاج اللاعب إلى هذا الأمر؟ إنه من السخافة أن تذهب للعمل وتبقى محبوساً."

  • لم يكن هناك اختلاف كبير بين مسيرتي سقراط وشقيقه راي. كانت البداية في بوتافوجو دي ريبيراو بريتو، حيث تحولوا إلى نجمين في فريقي العاصمة (راي مع ساو باولو) وقائدين في المنتخبات البرازيلية. ولكن الشقيق الأصغر كان الوحيد الذي تُوج بطلاً للعالم عام 1994.

  • عمل سقراط لفترة وجيزة في الطب الرياضي بعد اعتزاله. في عام 2011، بعد نقله للمرة الأولى إلى المستشفى، تم استدعاؤه للانضمام للفريق الطبي المتخصص في زراعة الكبد، العضو الذي أهمله أكثر من غيره في حياته، في مستشفى في مدينة ساو باولو.

  • في عام 2011، تم نقل سقراط إلى المستشفى ثلاث مرات في أربعة أشهر بسبب مشاكل في الكبد ناجمة عن استهلاك الكحول لفترة طويلة. ولقي حتفه إثر تعرضه لصدمة إنتانية في سن الـ57 تاركاً وراءه زوجة وستة أطفال.