بمناسبة وفاة اللاعب كارلوس ألبيرتو توريس عن عمر يناهز 72 سنة يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، FIFA.com يستحضر مسيرة أسطورة قائد البرازيل لسنة 1970.  

من بين العبارات التي يمكن بها وصف لاعب مثل كارلوس ألبيرتو توريس تبرز العبارة التالية: إنه بدون نقاش قائد المنتخب الفائز ببطولة كأس العالم الثالثة. حيث يعدّ مشهد رفعه كأس جول ريميه للاحتفاظ بها للأبد في خزينة البرازيل من أبرز المشاهد في تاريخ الساحرة المستديرة.

بيد أن المسألة التي تشغلنا هنا مختلفة تماماً. لقد تعوّدنا على الصورة المهيبة لكارلوس ألبيرتو بشارة الكابتن، رافعاً اللقب، ونراها كما لو أنها شيء طبيعي جداً، إلا أننا لا نتمعن في هذا الأمر ملياً ولا نفكر في المعنى الذي يمثله ذلك. حيث لا يجب نسيان أن كأس العالم 1970 FIFA كان بمثابة أول مشاركة للظهير الأيمن في العرس العالمي وكان عمره آنذاك 25 عاماً. وفي التشكيلة الأساسية، كان هناك خمسة لاعبين أكبر منه سناً، بما في ذلك جيرسون نفسه - العقل المدبر وكان يلقب بـ”الببغاء” نظراً لأنه يشتهر بتوجيه الكثير من التعليمات لزملائه - وبيليه، لا أقل ولا أكثر، الذي ظفر مرتين باللقب العالمي وكان على مشارف العقد الثالث من عمره. كيف حظي إذاً كارلوس ألبيرتو بشرف حمل الشارة؟

حاول هو نفسه في حديثه مع موقع FIFA.com تفسير ذلك قائلاً: “فيما يتعلق بتعييني قائداً للفريق... يسألني الكثيرون: كيف كنت الكابتن في فريق يضم بيليه؟ كنا نلعب معاً في سانتوس. قضيت 11 عاماً في صفوف سانتوس، عشرة منها كانت رفقة بيليه. وفي 1967، كان زيتو، لاعب الوسط الفائز بكأس العالم عامي 1958 و1962 هو القائد الكبير لفريق سانتوس. ولكنه أنهى مشواره في 1967 وكانت إدارة النادي تبحث عن لاعب آخر ليستلم مهام القائد، لذا اتبعت سياسة التناوب على الشارة في كل مباراة. في نهاية المطاف تم اختياري أوائل سنة 1968، خاصة لأني منفتح على كل الاحتمالات عندما أكون داخل الميدان. كنت أبلغ من العمر 23 عاماً وتم اختياري قائداً لفريق كان يعتبر الأفضل في البرازيل، أو في العالم حسب رأي الكثيرين. وكان يضم أبطال العالم أمثال بيليه وكوتينيو وبيبي وجيلمار وماورو... لا مجال للشك بأن تعييني قائداً في سانتوس كان وراء حملي للشارة في السيليساو، إذ قام المنتخب في 1968 بجولة في أوروبا وكانت قد أسندت إلي حينها مهام القيادة. لذا أفخر بكوني لحد الآن أُعتبر أصغر كابتن في منتخب حائز على لقب كأس العالم.”

قائد وداهية على حد سواء
قد تبدو الأمور في منتهى البساطة بكلمات هذا اللاعب الفذ. حيث يتميز كارلوس ألبيرتو بميزة تسعى كتب الإرشاد الكروي جاهدة لتحديدها وتطويرها: القيادة. لا يتعلق الأمر فقط بالتكلم كثيراً وبأن تكون منبسطاً كما قال لنا بكل تواضع، بل ما هو أهم من ذلك يجب أن تكون لهذه الكلمات مصداقية - عندما كان مراهقاً، وفي إحدى مبارياته الأولى مع فلومينينسي، تجرأ على توبيخ المهاجم المخضرم كاستيليو الذي كان يعتبر محبوب الجماهير.

بيد أن هذه المصداقية، بغض النظر عن الشخصية القوية، ما كانت ممكنة لولا علو كعب كارلوس ألبيرتو توريس. فمنذ بداية مسيرته الاحترافية في فلومينينسي، كان يوصف بأنه الوريث الطبيعي لجيلما سانتوس. وفي 1964، كان يلعب أساسياً ضمن السيليساو عن عمر لا يتعدى 20 عاماً. حيث يقول: “كان يجب أن تكون مشاركتي الأولى في كأس العالم في 1966 لأنني كنت في ذروة مستواي. كنت أساسياً في جميع المباريات الاستعدادية تقريباً ولكن لسبب غير مفهوم لم أكن ضمن القائمة النهائية. كانت عبارة عن خيبة أمل كبيرة، إلا أنها كانت بمثابة حافز لأفرض نفسي أساسياً فيما بعد وأصبح القائد.”

وفي نهاية المطاف، يعود الاحترام الذي يكنّه الجميع لكارلوس ألبيرتو لكونه داهية ويعتبر من أبرز لاعبي الظهير في التاريخ. حيث أن بيليه نفسه، وفي إشاراته المختلفة إلى شخصية زميله في سانتوس والسيليساو في سيرته الذاتية، يحكي عن موقف يدلّ على الاحترام الذي يكنّه للقدرات الفنية للكابتن، لا سيما وأن الجوهرة السوداء يعتبر أفضل لاعب في تاريخ الساحرة المستديرة.

حيث يقول: “كنت ألعب عادة مع ابني إدينيو – الذي كان حارس مرمى محترف -، كنت أسدد عشر ضربات جزاء ضده وهو بدوره كان يسدد عشر. لم أخسر ضده قط. وكنت أنافس الجميع في تدريبات المنتخب وأفوز دائماً. خسرت أمام شخص واحد فقط، وذلك لمرة واحدة على الإطلاق: كان ذلك ضد كارلوس ألبيرتو لأنه كان متخصصاً في تسديد ركلات الجزاء.”

علاوة على كونه قائداً شاباً في سانتوس، كان الظهير مسؤولاً عن تنفيذ ركلات الجزاء في الفريق. هل تتذكرون هدف بيليه رقم ألف في 1969؟ لولا كان الأمر يتعلق بمناسبة تاريخية لما كان الملك المكلّف بتسديد ضربة الجزاء ضد فاسكو في ملعب ماراكانا، إذ كان كارلوس ألبيرتو صاحب هذه المهمة.

20 دقيقة من الشهرة
يعتبر كارلوس ألبيرتو علامة فارقة لتطوّر مركزه  في الملعب. ربما لم يظهر الأسلوب الهجومي للاعبي الظهير بفضله، ولكنه ساهم في ارتقائه إلى مستوى أعلى. وكان يوم 21 يونيو/حزيران 1970 في ملعب أزتيكا فرصة سانحة لتخليد صورته كظهير هجومي إضافة إلى كابتن المنتخب. إذ كان، قبل أربع دقائق من نهاية اللقاء، صاحب الهدف الأخير في الفوز الساحق للبرازيل على إيطاليا بنتيجة 4-1، حيث نجح في إتمام إحدى أبهر الهجمات في تاريخ كأس العالم.

يتذكر كارلوس ألبيرتو في حديثه مع موقع FIFA.com قائلاً: “تم إطلاق هذه الهجمة بعد كرة استرجعها توستاو الذي كان قد تراجع إلى الوراء على الجهة اليمنى. مرّر الكرة لبيازا وبيازا لجيرسون وجيرسون لكلودوالدو. كنا متقدمين بنتيجة 3-1 وكان الفريق يستحوذ على الكرة من خلال التمريرات القصيرة وينتظر انتهاء الوقت. كنت أنا في الوراء أستريح وأنتظر بفارغ الصبر صافرة الحكم معلناً نهاية المباراة. تخطى كلودوالدو ثلاثة لاعبين، وعندما مرر الكرة لريفيلينو الذي كان في الظهير الأيسر، تذكرت نصيحة زاجالو بتنفيذ هجمات على الجانب الأيمن. ألقيت نظرة وكان المجال مفتوحاً أمامي في هذه الجهة لأن جيرزينيو كان في مركز الظهير الأيسر وجياشينتو فاكيتي كان يفرض الرقابة عليه. فقلت لنفسي: ‘سأنتظر قليلاً. إذا وصلت الكرة إلى جيرزينيو كنت أشعر أنه سيمررها لبيليه، فعندئذ سأتقدم للهجوم لأني أعلم أن بيليه سيعطيني الكرة’. وهذا ما حدث تماماً: بذلت كل ما أملك من جهد لأركض 50 متراً على الأقل لأكون في الوضع المثالي لتسجيل الهدف.” 

نظراً لحصوله على فرصة وحيدة لخوض غمار المونديال، وفي فترة لم تكن كرة القدم تحظى بالشعبية التي نراها اليوم، فربما يفتقد كارلوس ألبيرتو للاعتراف الذي يستحقه مشواره المتألق الذي دام 19 عاماً. ولكن ليس هناك حاجة إلى ذلك. فقد كانت الـ20 دقيقة في مدينة مكسيكو كافية لدخوله التاريخ من بابه الواسع: وهي المدة الزمنية التي تفصل تحقيقه واحد من أجمل الأهداف ورفعه الكأس عالياً في مشهد سيبقى خالداً في تاريخ أم البطولات. حيث يقول: “عندما استلمت الكأس كقائد للمنتخب، انتابتني الرغبة بتقبيلها - في الواقع، كان أول لاعب قام بتقبيل الكأس قبل رفعها. كان أمراً فطرياً: لم أفكر في ذلك من قبل، بل انتابتني حقاً تلك الرغبة. إنها لحظة لا تنسى. لدرجة أنه حتى اليوم حيثما أسافر عبر العالم، يذكرني الجميع بهذا الهدف الرابع الذي سجلته على إيطاليا وبلحظة استلامي كأس جول ريميه.”

بيد أن كل من تابع مشوار كارلوس ألبيرتو يعلم جيداً أن له إنجازات لا تحصى، ولكن اللوم في اختزال مسيرته في هدفه في النهائي وحمله الكأس يعود إليه لأنه وُلد ليكون قائداً.

هل تعلم؟

  • كانت بداية كارلوس ألبيرتو في مشواره الثاني كمدرب صاروخية أيضاً: إذ تُوّج بالدوري البرازيلي 1983 في موسمه الأول مع فلامنجو، وكان زيكو يلعب تحت إمرته حينها. كما أحرز بطولة ولاية ريو دي جانيرو مع فلومينيسي في 1984 وبطولة أمريكا الجنوبية مع بوتافوجو في 1993، في مسيرة طويلة جال خلالها في ستة بلدان حتى عام 2005: البرازيل والولايات المتحدة وكولومبيا والمكسيك وعمان وأذربيجان.

     

  • أصبح ابن كارلوس ألبيرتو أيضاً لاعب كرة القدم: يدعى أليكساندر توريس وكان يلعب في وسط الدفاع. تلقى تكوينه في فلومينينسي وبلغ الذروة في فاسكو، حيث تم استدعاؤه للانضمام إلى المنتخب البرازيلي، قبل أن ينتقل للاحتراف في صفوف ناجويا جرامبوس الياباني.

  • يعترف كارلوس ألبيرتو بأنه لم يكن القائد الوحيد في منتخب 1970، حيث يقول: “كنت أحمل الشارة وأختار الميدان وأقود الفريق أثناء الدخول إلى الملعب وفي غرفة تغيير الملابس، إلا أن مسؤولية قيادة المجموعة كنت أتقاسمها مع جيرسون وبيازا وحتى بيليه وبريتو.”