إحتشد أكثر من 60 ألف متفرّج في أرينا دي ساو باولو، مقرّ العملاق البرازيلي كورنثيانز باوليستا، لمباراة ضخمة في كأس العالم FIFA يوم 19 يونيو/حزيران 2014. ثنائية مهاجم الأوروجواي لويس سواريز أقصت انجلترا من البطولة. بالنسبة للإنجليزي كريس واتني، الذي تابع المباراة على بعد 6 آلاف ميل في بلده، فقد كان للمباراة طعم مختلف، وبمثابة الانطلاقة لمباراة أخرى لها أهمية ثقافية وتاريخية، تضمّ فريقاً يلعب في دوري الدرجة الانجليزية الثامنة.

يتذكّر واتني: "كثيرون من جماهير كورنثيانز شاهدوا مباراة إنجلترا وأوروجواي كمحايدين، لكنهم ارتدوا نسخة من قمصان كورنثيان كاجوالز. كنت في المنزل، اشاهد المباراة فحاولت إيجاد قميصنا الزهري والبني بين الجماهير. في اليوم التالي، وصلتنا كمبية كبيرة من الصور تظهر من يشجّعنا ويرتدي قميص كورنثيان كاجوالز. ذاك اليوم، اتصل بي المسؤول عن التسويق في كورنثيانز، وآنذاك بدأت الأمور تتّسم بالجدية. بعد ستة أشهر أصبحنا هناك".

تأسّس العملاق البرازيلي عام 1910 على اسم كورنثيان إف سي الأصلي، فريق انجليزي هاو لفّ العالم مطلع القرن العشرين، الذي ألهم خمسة من العمال ذوي الياقات الزرقاء في ساو باولو على تأسيس نادي كورنثيانز باوليستا الرياضي. اندمج كورنثيان أف سي مع كاجوالز أف سي عام 1939، لكن ارثه بقي، واستمتع كورنثيان كاجوالز بمكانة عظيمة في ساو باولو نتيجة لذلك.

الفريق الانجليزي، الذي يقف راهناً على بعد أربع درجات من أدنى مستوى كروي في البلاد، سافر إلى ساو باولو في يناير/كانون الثاني ولعب أمام ثلاثين ألف متفرّج متحمّس في مباراة أمام فريق يحمل نفس اسمهم، في ذكرى المئة سنة على رحلة فريقهم إلى البرازيل. ألغيت مباراة كانت مقرّرة في 1914 بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى لدى وصول اللاعبين إلى البرازيل. مات عددٌ من لاعبي الفريق الانجليزي في الحرب. يحضّر واتني، الذي انضمّ للفريق في 1999، وثائقياً حول التاريخ المشترك بين الناديين، وساعد في تحضير هذه الرحلة إلى البرازيل.

يقول واتني: "أجري استفتاء على الانترنت، من قبل مشجع للنادي هناك. سألوا: من تريدون رؤيته يفتتح الملعب الجديد: ريال مدريد أو برشلونة أو تشلسي أو كورنثيان كاجوالز؟. فزنا بالتصويت بنسبة 61%. منذ ذلك الوقت اعتقدنا بان هناك رغبة حقيقية من الجماهير (باجراء مباراة بين الفريقين)".

أقيمت المباراة بعد أسبوع لافت في ساو باولو. خلال الرحلة، أصبح كورنثيان أف سي الأصلي مشهوراً بعمله الخيري، بالإضافة إلى قربهم من اللعب النظيف. أراد واتني إعادة احياء الروح الخيرية، فأمضى كورنثيان كاجوالز أسبوعاً في زيارة مستشفيات الأطفال المحلية، الأحياء الفقيرة، وعقد تمارين تدريبية لأفراد من المجتمع المحلي.

قال واتني: "افتتحنا دورتنا التدريبية للمشجعين مجاناً، طالما جلبوا كيلوجراماً من الطعام. جمعنا نحو 5 أطنان في الطعام للأحياء الفقيرة. جاء نحو 4 آلاف متفرّج لمشاهدة تماريننا. كانت لحظات لا تُنسى، وأجمل من المباراة بحد ذاتها. استيقاظ الشبان في مستشفى للسرطان مع الأطفال صنع الفارق، وكان رائعاً. جلبنا للمستشفى 500 تذكرة من أجل العائلات، الموظفين والمرضى للقدوم إلى المباراة".

تابع: "كان هناك طفل يُدعى فاندرسون، التقيته في سبتمبر/أيلول عندما جئت لتحضير المباراة. كانت الإصابات قد أذته كثيراً بسبب سرطان في العمود الفقري. منحته قميص كورنثيان كاجوالز، وقّعنا عليها وبعض أساطير نادي كورنثيانز باوليستا. عندما عدنا، سألنا عن مصيره. باع القميص بالمزاد العلني ودفع ثمن علاجه في المقابل. جاء ليتابع المباراة على كرسي متحرّك وكنا مذهولين لرؤيته.

بعد أسبوع مليء بالأحداث العاطفية، والتمارين المفتوحة في اليوم الذي سبقه، بدأ اللاعبون بالتحضير ذهنياً للمباراة بحدّ ذاتها. كان الخصم حامل لقب الدوري البرازيلي خمس مرات، وكأس العالم FIFA للأندية مرتين، كورنثيانز باوليستا، في مباراته الاستعدادية الاخيرة قبل خوض كأس ليبرتادوريس. ما كان أمل الانجليز الهواة؟

قال واتني: "يوم المباراة ذهبنا الى المركز التدريبي حيث أمضينا بعض الوقت مع لاعبي كورنثيانز باوليستا. في الواقع، تعيّن علي الذهاب للشرح للاعبي كورنثيانز باوليستا معنى المباراة. دخلت وكانوا جالسين يشاهدون شريطاً مصوراً عن كورنثيان كاجوالز، تكتيكنا ولاعبينا. كان الجو جدياً جداً هناك. انها المباراة الودية الأخيرة قبل تصفيات كأس ليبرتادوريس وظهر ضغط كبير عليهم".

ما آمل القيام به، هو تذكير العالم بتأثيرنا وتراثنا ومحاولة القيام بهذا النوع من الأمور في المستقبل

كريس واتني

في الطريق إلى المباراة، حصل كورنثيان كاجوالز، الذي يلعب أمام المئات من جماهيره في ملعب الملك جورج في تولوورث، على مرافقة من الشرطة امام حافلة فريق كورنثيانز. قبل انطلاق المباراة، حضرت أرملة سقراطيس، اسطورة كورنثيانز الذي لعب للطرفين في مباراة بينهما في 1988، وقدّمت عصائب للرأس مماثلة للتي كان يرتديها زوجها الراحل.

تذكّر واتني: "ارتديناها مع لاعبي كورنثيانز وخرجنا مترابطين في مظهر موحّد. جاء فاندرسون على كرسيه المتحرّك ليشكرنا كلّنا. ثم شُرح لنا ما سيحصل في ما يخص النشيدين الوطنيين. بالنسبة لنا، ندخل الى ملعبنا في تولوورث ونخوض المباراة ببساطة. لكننا دخلنا وبدأ عزف النشيد الوطني لكل فريق".

ساهمت الاجواء التي سبقت المباراة في خلق دفاع حديدي لكورنثيان كاجوالز. فريقٌ ضمّ رساماً، مصمّم ديكور، مساعداً في متجر ورجل شرطة عادل البرازيليين 0-0 بعد 78 دقيقة.

قال واتني عن 30 الف متفرج والاجواء: "كان من المستحيل عدم الجهوزية لهكذا موقف. قدّم اللاعبون كلّ ما في جعبتهم، وخاضوا مباراة حياتهم. حارسنا داني براكن، وهو مدرّس لياقة بدنية، لعب بشكل رائع كذلك الدفاع أمامه. أقفلنا المرمى امام الفريق الخصم!".

شاهد الملايين عبر الشاشة المباراة التاريخية، وشهدوا لحظات مميزة للمهاجم النجم، وعامل البناء، جايمي بيات، الذي أصبح شخصية مميزة في ساو باولو بعد صورة له يحتفل بالتسجيل من خلال الكشف عن قميص كورنثيانز باوليستا تحت قميص كورنثيان كاجوالز لقيت رواجاً كبيراً في البرازيل.

قال واتني: "عندما ذهبنا، اقترحوا ان يلعب لكورنثيانز باوليستا لمدة خمس دقائق. كان حول النادي منذ طفولته، وتأثر كثيراً لما حصل في البرازيل. رفض أموالاً من أجل البقاء في النادي هذه السنة والذهاب إلى البرازيل. حصل على شرف اللعب لخمس دقائق مع كورنثيانز باوليستا وكاد يسجّل!".

خسر كاجوالز 0-3 اذ تلقى الهدف الاول قبل 12 دقيقة على النهاية. عاد اللاعبون إلى ارض الواقع في اليوم التالي، وفازوا على فافرشام تاون 1-0 أمام 123 متفرجاً.

قال واتني: "بعد العودة إلى البلاد، اراد الفريق الذهاب مجدداً. هناك فرصة للقيام بذلك. تريدنا القنصلية البريطانية أن نعود حقاً. نلعب جيداً بعد رجوعنا. اعتقد ان هناك الكثير من الزرق يريدون عودتنا. كانت 15 دقيقة حقيقية من الشهرة".

يأمل واتني في ظل مواصلة العمل على فيلم وثائقي، نشر الارث الايجابي لكورنثيانز الاصلي، وان كرة القدم يمكنها ان تكون قوة ايجابية، لجمع الأموال لصالح المحرومين وجلب السعادة للمجتمعات حول العالم.

أضاف واتني: "ما آمل القيام به، من خلال الفيلم والجولة، هو تذكير العالم بتأثيرنا وتراثنا ومحاولة القيام بهذا النوع من الأمور في المستقبل. آمل ان تكون بداية شيء أكثر تواتراً وربما قدوم كورنثيانز باوليستا إلى انجلترا".

لا تزال تلك الخطط الطموحة قيد الدرس، وشيء وحيد يبدو مؤكداً: روحية كورنثيان الأصلي الخيرية، اللعب النظيف والمغامرة لا تزال على قيد الحياة وبصحة جيدة في البرازيل وتولوورث.