يُعتبر كأس الاتحاد الانجليزي أقدم منافسات كرة القدم في العالم، حيث تم إحداثه في عام 1871، وشهد منذ ذلك التاريخ الكثير من اللحظات الخالدة والمجيدة، من بينها مباراة ثمن نهائي عام 1999، التي تُعد بالتأكيد واحدة من أجمل ذكريات هذه المسابقة وأكثرها تأثيراً على نفوس المشاهدين. فقد خرج منها أرسنال منتصراً، ولكن النصر الأعظم كان لكرة القدم نفسها.

ففي يوم 13 فبراير/شباط من العام 1999 أي قبل 18 عاما من اليوم، تقابل آرسنال مع شيفيلد يونايتد في ملعب هايبري والنتيجة تشير إلى التعادل 1-1، عندما خرج الحارس آلان كيلي، من أجل إبعاد الكرة إلى التماس للسماح للمسعفين بتفقد إصابة زميله لي موريس، الذي كان ملقى على الأرض في الطرف الآخر من الملعب. وكما جرت العادة في مثل هذه الحالات، نفذ راي بارلور رمية التماس لآرسنال بهدف إرجاع الكرة إلى الخصم، الذي كان يلعب في الدرجة الثانية آنذاك. ولكن النيجيري نوانكو كانو لم يفطن لما كان يجري، فانبرى لها ثم مررها على الفور إلى زميله مارك اوفرمارس، الذي كان شارد الذهن هو أيضاً، ليستلمها بهدوء ويودعها بسهولة في المرمى الخالي. كانت تلك بداية مثيرة للضحك بالنسبة للاعب الدولي النيجيري الذي وصل للتو إلى كتيبة المدفعجية قادماً إليها من إنتر ميلان، حيث كان يخوض مباراته الاولى في إنجلترا.

فوز مرير
رغم أن هذا المأزق كان محرجاً، إلا أن الحكم بيتر جونز أعلن صحة الهدف على بعد عشر دقائق من النهاية، معتبراً أن آرسنال لم يرتكب أية مخالفة أو أي شيء متعارض مع قواعد اللعبة. من جهته، بدا مدرب شيفيلد يونايتد ستيف ممتعضاً وغاضباً إلى أقصى حد، لدرجة أنه لم يستبعد في أية لحظة النهوض من مقعده ليطلب من لاعبيه ترك الملعب احتجاجاً على ما حصل. لكن اللعب استُأنف أخيراً لتنتهي المباراة وسط أجواء مشحونة وإحساس بالمرارة في كلا الجانبين، ولاسيما في قسمات وجه الفرنسي آرسين فينجر، مدرب آرسنال، الذي اقترح عند صافرة النهاية إعادة المباراة في مجملها، حيث قال في تصريح له "إنه الشيء الوحيد الذي يمكنني القيام به... أن أحاول إصلاح ما ترتب عن هذا الحادث. كانو وبقية أعضاء الفريق يشعرون بحزن شديد لما حصل".

كان آرسنال هو حامل الكأس حينها، كما كان منهمكاً في السباق على لقب الدوري وفي المنافسات الأوروبية، حيث كان فينجر يعلم تماماً أن جدول مباريات فريقه لا يرحم، ولكنه - انطلاقاً من إيمانه الراسخ بالروح الرياضية واللعب النظيف – قرر مع ذلك إضافة مباراة أخرى إلى برنامج مباريات كتيبته، حيث شكلت تلك اللفتة في الوقت نفسه فرصة للرد بأفضل طريقة ممكنة على النقاد الذين كانوا يعيبون حينها على الفريق اللندني لعبه الخشن وميوله إلى التدخلات القوية. وقال المدير الفني الفرنسي بنبرة قاطعة "إن ذلك ليس من سمات آرسنال. صحيح أننا نريد الفوز في كل مباراة، ولكن لا أحد منا لجأ إلى الغش أو الخداع عمداً".

قبِل الإتحاد الإنجليزي و FIFA الاقتراح القاضي بإعادة المباراة يوم 23 فبراير/شباط، وهو ما قوبل بارتياح كبير من المدرب بروس، الذي كان يرى في تكرار المواجهة الحل الوحيد لتلك الورطة، حيث اعتبر مدافع مانشستر يونايتد السابق أن "ما تم إهماله، وما يحز في النفس هو أننا كنا على بعد 12 أو 13 دقيقة من فرض إعادة المباراة على أي حال، فقد أعطى اللاعبون كل ما لديهم وهم يستحقون هذه الفرصة الثانية". يُذكر أن الفرنسي باتريك فييرا كان هو صاحب هدف السبق في موقعة يوم 13 فبراير/شباط، بينما جاء هدف التعادل عن طريق البرازيلي مارسيلو، علماً أن شيفيلد كان قاب قوسين أو أدنى من التقدم في النتيجة عندما ارتطمت الكرة بالقائم قبيل ذلك الحادث المؤسف.

وللمفارقة، انتهت المباراة الثانية أيضاً بنتيجة 2-1، ولكن دون أية واقعة مثيرة للجدل هذه المرة. وبعد مرور أكثر من 17 عاماً على ذلك اليوم، لا يزال الفرنسي آرسين فينجر على رأس إدارة آرسنال، حيث كتب سيرته الذاتية بأحرف من ذهب، علماً أنه تُوج بجائزة الإتحاد الأوروبي للعب النظيف في ذلك العام بالضبط تقديراً للفتته النبيلة تلك.