عرفت كيف تحوّل التمييز والتحيز والإخفاقات والانتكاسات إلى مصدر إلهام. تتقاسم مارتا، التي تحتفل اليوم بعيد ميلادها الـ31، بعض الأسرار وراء نجاحها.

كان عمرها 8 أو 9 سنوات عندما أطفأت شموع كعكة عيد الميلاد وكانت أمنيتها واضحة وصريحة: أن تكون لاعبة محترفة. لا شك أنه حلم مشترك مع أي طفل برازيلي في عمرها، ولكنه كان نادراً جداً بالنسبة لطفلة برازيلية قبل 20 عاماً.

فعلى الرغم من أن تلك الطفلة لم تكن تفهم ذلك إلا أن كرة القدم كانت حكراً على الرجال. وهذا ما أكدته الحياة لها بكل وضوح. لكنها أظهرت عناداً منقطع النظير، وعندما ستطفئ شمعتها الـ31 ستفعل ذلك بكل فرحة بعد أن حققت بامتياز أمنيتها في الطفولة، وذلك على الرغم من كل الصعوبات.

كشفت مارتا في هذه المقابلة لموقع FIFA.com قائلة: "في طفولتي واجهت عدة حالات من التمييز. ولكن، والحمد لله، لم أدع ذلك يؤثر عليّ سلباً. وقد حوّلت ذلك إلى مسألة شخصية وكنت أحفّز النفس بها لتحقيق أهدافي وإثبات أنني أملك ما يكفي من المؤهلات."

الصعوبات
وُلدت البرازيلية في بلدة دويس رياتشو التي يبلغ عدد سكانها ما يزيد قليلا عن 10.000 نسمة، وحتى عائلتها كانت منزعجة من رؤيتها تجرح ركبتيها بالصراع على الكرة في الشوارع. وهنا علّقت قائلة: "ينظر كثيرون إلى كرة القدم على أنها رياضة للذكور، ولكن هذا غير صحيح لأن الرياضة تعلمنا الكثير عن الاندماج الاجتماعي والمساواة بين الجنسين. يجب التفكير في الرياضة بطريقة بإيجابية. لا يجب تبني هذه الأفكار المسبقة. يجب أن نترك الناس تعرض أعمالها من خلال مواهبهم، بغض النظر عن جنسهم."

ولا شك أن مارتا تملك موهبة كبيرة وشخصية قوية أيضاً. لأنه ليس من السهل مواجهة العالم لتحقيق حلم شبه مستحيل. فقبل 20 عاماً كانت كرة القدم النسائية في البرازيل منعدمة تقريباً.

وفي هذا الصدد، اعترفت بعنادها مبتسمة: "لكن لم يكن هناك عودة إلى الوراء،" مضيفة "لم يكن الأمر سهلاً. سافرت إلى السويد في سنّ الـ17 وبقيت هناك 5 سنوات. ثم شعرت أن الوقت قد حان لتغيير الأجواء والذهاب إلى بلد آخر، وقررت الانتقال إلى الولايات المتحدة. ولكن حتى هناك واجهت عدة صعوبات. كان لدي عقد لمدة ثلاث سنوات مع الدوري، ولكن النادي انسحب بعد نهاية موسمي الأول. انتقلت إلى ناد آخر، وعلى الرغم من تتويجنا باللقب، أفلس لأسباب اقتصادية... ذهبت إلى فريق آخر، ثم عدت إلى السويد... واجهت صعوبات باستمرار. ولكن لم يكن هناك مجال للعودة إلى الوراء. كان يجب علي المضي قدماً واستخدام كل الأسلحة الممكنة لتحفيز النفس كل يوم وعدم الاستسلام. والحمد لله لم أستسلم!"

اليوم هناك صعوبات، لكن الأمر أسهل قليلاً عما كان عليه في بداياتي. ولذلك يجب إغتنام هذه اللحظة ومطاردة الأحلام بكل ثقة في العمل الذي تقوم به كل واحدة منا

مارتا

اليوم، أصبحت مارتا الفائزة خمس مرات بجائزة FIFA لأفضل لاعبة في العالم مرجعاً كبيراً في كرة القدم النسائية. وعلى الرغم من أن الأمور أسهل قليلاً الآن بالنسبة للفتيات اللواتي يردن أن يكنّ لاعبات، إلا أنها لن تغير شيئاً مما عاشته. حيث أكدت لاعبة فريق روزنجارد السويدي قائلة: "أحب كل ما حدث في حياتي. أعتقد أن ذلك سيكون بمثابة مثال لجميع الفتيات اللواتي يبدأن مسيرتهن الآن. ولا أتأسف على أن مسيرتي بدأت في ذلك الوقت. أعتقد أن جيلنا لعب دوراً مهماً لإعطاء دفعة كبيرة. لقد كانت مساهمة ضرورية للوصول إلى هذا الوضع الراهن والتفكير في مستقبل أفضل."

التحديات المقبلة
لا شك أن مارتا تفكر منذ 20 عاماً في مستقبل أفضل. لأن كل شيء قابل للتحسن بطبيعة الحال: "من الواضح أن كرة القدم النسائية أصبحت أكثر تطوراً الآن. هناك فرص عمل أكثر وأسواق أكبر: الأوروبي، الآسيوي، الأمريكي الذي يوجد في حالة جيدة... والبرازيلي الذي يتحسن أيضاً. ولكني أود أن أرى كرة قدم نسائية تنافسية بشكل متزايد وبأقل قدر من التمييز والتحيز. ومزيد من الدول ببطولات منظمة ونوادي تمنح المزيد من الفرص، وهياكل لكي تحصل النساء اللواتي يقررن أو يرغبن في الوصول إلى المنتخب، أو يرغبن في الاحتراف، على كل الظروف الممكنة للعمل."

ولديها نصيحة واضحة جداً لكل من يشاطرنها اليوم حلم الطفولة: "اليوم هناك صعوبات، لكن الأمر أسهل قليلاً عما كان عليه في بداياتي. ولذلك يجب إغتنام هذه اللحظة ومطاردة الأحلام بكل ثقة في العمل الذي تقوم به كل واحدة منا،"

في سنّ الـ31، لا تزال مارتا تطمح أيضاً لتحقيق بعض الأحلام أو التحديات العالقة... وفي هذا الصدد، أوضحت صاحبة الميداليتين الفضيتين الأولمبيتين ووصيفة بطل العالم قبل 10 سنوات قائلة: "كرة القدم في البرازيل هي شغف وطني. إنها بمثابة ديانة. وبالنسبة لأي برازيلي لا شيء أهم من المركز الأول. إذا لم يحصل على المركز الأول، لا يكون لما حققه أي معنى أو أي قيمة كبيرة. وهذا ما يؤثر على اللاعبات البرازيليات. ففي بلدان أخرى، يعطون قيمة أكبر للميدالية البرونزية أو المركز الرابع... ولكن في البرازيل لا يزال ذلك يُعتبر أقل شأناً بعض الشيء."

وأكدت أفضل هدافة في تاريخ كأس العالم للسيدات قائلة: "عدم الفوز بألقاب مع المنتخب، سواء في كأس العالم أو في الألعاب الأولمبية، هو دافع كبير لمواصلة العمل،" مضيفة "إذا نظرتم إلى الألعاب الرياضية الأخرى فإن الفوز بأي ميدالية في دورة الألعاب الاولمبية  يُعتبر إنجازاً كبيراً. في كرة القدم، الفوز بالفضة يشبه الهزيمة. ونحن فزنا بفضيتين،" في إشارة إلى الهزيمتين في نهائي 2004 و2008 أمام الولايات المتحدة. وتابعت قائلة: "ولكننا نواصل العمل بثبات من أجل تحقيق هدفنا، أي الفوز بالألقاب."

الأشياء الصغيرة
لقد حرمتها كرة القدم من تحقيق السعادة الكاملة مع منتخب بلادها، ولكن مارتا العنيدة والمتفائلة تنظر أكثر إلى كل تلك اللحظات الرائعة التي منحتها إياها المستديرة الساحرة: "الفوز بجائزة أفضل لاعبة في العالم... من الصعب وصف ما يشعره به المرء في تلك اللحظة على المسرح. كل التقدير والمودة اللذين حصلت عليهما في هذه السنوات شيء مفرح ومحفز لمواصلة الكفاح."

لا شك أن مارتا لن تنسى لحظات مثل المكالمة التي تلقتها من أسطورة كرة القدم البرازيلية: "نعم، اتصل بي بيليه من أجل تهنئتي. تجاذبنا أطراف الحديث قليلاً. لم أصدّق ذلك في بادئ الأمر. وقد التقيت به شخصياً أيضاً. لقد كان مصدر فخر وشعر بسعادة عارمة..."

إنها لحظات كبيرة وصغيرة في المغامرة الشيقة التي عاشتها إحدى أعظم اللاعبات على مر العصور. واحدة من النساء اللواتي رفضن أن يصدقن أن كرة القدم هي حكر على الرجال.