إذا كان المنتخب الإنجليزي توج بلقب كأس العالم عام 1966، فإن المنتخب البرتغالي ضم في صفوفه أفضل موهبة فردية في هذه البطولة. ففي باكورة مشاركاته على صعيد كأس العالم، بلغ المنتخب البرتغالي تحت إشراف مدربه الشهير أوتو جلوريا الدور نصف النهائي بفضل تألق أوزيبيو، الذي ظهر في أبهى صوره في مباراة لا تنسى ضمن الدور ربع النهائي في مواجهة كوريا الشمالية، حيث نجح نجم بنفيكا وحامل لقب لاعب العام في أوروبا بمفرده أن ينقذ منتخب بلاده من الخسارة بتسجيله أربعة أهداف قلب بها تخلف فريقه بثلاثة أهداف نظيفة إلى فوز.

إذا وضعنا الدولة المضيفة جانباً، فإن ملعب جوديسون بارك جمع من دون أدنى شك بين أكثر منتخبين شعبية في كأس العالم تلك. فقد ضم المنتخب البرتغالي في صفوفه نجوم نادي بنفيكا في الستينيات، وكسب عطف جمهور مدينة ليفربول في الأدوار السابقة بعد فوزيه المثيرين على المجر والبرازيل حاملة اللقب في الدور الأول. أما المنتخب الكوري الشمالي المجهول بسبب السرية التامة المفروضة في بلاده، فقد حقق مفاجأة البطولة في مباراته السابقة ضد إيطاليا، حيث كان بطل تلك المباراة باك دو أيك الذي سجل هدف المباراة الوحيد وكان جواز سفر فريقه إلى الدور ربع النهائي، ما تسبب أيضاً بإلقاء الجمهور الإيطالي البندورة المعفنة على لاعبي المنتخب الوطني إثر عودتهم إلى الديار.

وإذا كان فوز المنتخب الكوري على نظيره الإيطالي جعل العالم يدرك أن هذا المنتخب الآسيوي يستطيع أن يقدم كرة جيدة، فيبدو أن البرتغاليين لم يأخذوا هذا الأمر على محمل الجد، بدليل تلقي شباكهم هدفاً رائعاً من تسديدة قوية في الدقيقة الأولى. فبعد هجمة سريعة على الجهة اليمنى، وصلت الكرة إلى باك سونج زين في الوسط فسددها قوية بيمناه، لتنطلق بسرعة هائلة متخطية الحارس جوزيه بيريرا لترتطم بالعارضة وتستقر داخل الشباك.

وبعد أن كسب الكوريون عطف أنصار مدينة ميدلزبره في الدور الأول بفضل أسلوبهم الإيجابي وتحركاتهم السريعة، يبدو أن المنتخب الذي لم يرشحه أحد ليكون مفاجأة البطولة جعل جمهور ملعب جوديسون بارك يؤازره. وتذكر باك دو أيك هذا الأمر بعد سنوات عدة بقوله "عندما لعبنا ضد البرتغال، ساندنا الجمهور المحلي بشغف".

وجد أفراد المنتخب البرتغالي أنفسهم يطاردون خيالاتهم في ربع الساعة الأول، وبعد أن أضاع أوزيبيو فرصة أمام مرمى الفريق الكوري، قام الأخير بهجمة مرتدة سريعة بالاتجاه المعاكس. وأخطأ بيريرا في تقدير إحدى الكرات العرضية من الجهة اليمنى، فسيطر عليها يانج سونج كووك عند القائم البعيد، ليعيدها منخفضة أمام المرمى ويتابعها لي دونج وون داخل الشباك.

ويبدو أن كلمات أغاني المنتخب الآسيوي "نستطيع الفوز على أي منتخب، حتى أقوى المنتخبات" والتي أنشدت بدلاً من النشيد الوطني - لم يكن مسموحا بإلقاء كلمات النشيد الوطني لأسباب سياسية - كانت في محلها. فبعد انطلاق الشوط الثاني، سدد أوزيبيو كرة قوية من ركلة حرة مرت بمحاذاة القائم، ثم أصبحت النتيجة 3-0 بعد ثلاث دقائق. قام يانج سونج كووك بهجمة على الجهة اليسرى، ولعب الكرة باتجاه باك دو أيك الذي سدد كرة عشوائية باتجاه المرمى لكنها انحرفت وتهيأت أمام يانج سونج كووك الذي تابع طريقه نحو المرمى، وعندما انكشف أمامه أطلق كرة عانقت الزاوية البعيدة.

وضع حارس البرتغال بيريرا رأسه بين يديه، في حين نظر زملاؤه إلى بعضهم البعض وهم يتساءلون ماذا يحصل؟ لكن أوزيبيو نجح في تقليص الفارق ومنح منتخب بلاده بعض الأمل حينما مرر إليه أنطونيو سيمويش الكرة فتخلص من مراقبه ودخل منطقة الجزاء قبل أن يطلق الكرة لتجد الزاوية العليا للمرمى. لم يكن أوزيبيو صاحب الرقم 13 في وارد الاحتفال، بل حمل الكرة من الشباك ووضعها في الدائرة الوسطية للملعب. وفجأة أصبحت المباراة مختلفة تماماً. وللمفارقة، فإن فريقاً واحداً نجح في قلب تخلفه عندما كان متأخراً 0-3 في تاريخ نهائيات كأس العالم في السابق، في الوقت الذي بدأ فيه الدفاع الكوري يجد صعوبة في احتواء خطورة أوزيبيو الذي كان يطلق عليه لقب "اللؤلؤة السوداء". وفي منتصف الشوط الثاني، توغل قلب الهجوم جوزيه توريس داخل المنطقة ليعوقه أحد مدافعي المنتخب المنافس، فلم يتردد الحكم الاسرائيلي ميناحيم أشكينازي في احتساب ركلة جزاء انبرى لها أوزيبيو ليضع الكرة في الزاوية العليا ثم يلتقطها بسرعة من داخل الشباك ويضعها مجدداً في دائرة المنتصف.

ونجح المنتخب البرتغالي في إدراك التعادل في الدقيقة 56، عندما انطلق أوزيبيو من منطقة فريقه باتجاه المرمى، فتخلص من أحد مراقبيه قبل أن يتلقى كرة بينية من سيمويش ليسدد داخل شباك الحارس لي شان ميونج. وبعد ثلاث دقائق، رفع أوزيبيو النتيجة إلى 4-3، عندما نجح في تنفيذ ركلة جزاء ثانية احتسبت لفريقه بعد هجمة سريعة أعيق على أثرها داخل المنطقة. وفي الوقت الذي افتقد فيه المنتخب الكوري إلى الأفكار للعودة إلى المباراة، نفذ أوزيبيو ركلة ركنية ليتابعها جوزيه أوغوستو داخل الشباك مختتماً أهداف المباراة.

وفي نهاية المباراة شوهد شاب إنجليزي يطارد أوزيبيو حول الملعب رافعاً في وجهه صحيفة أراده أن يوقع عليها أوتوجرافاً. لقد ساهم الأداء البطولي لأوزيبيو في صعود فريقه إلى الدور نصف النهائي، وعلى الرغم من خسارته تلك المباراة ضد إنجلترا، فقد أنهى أوزيبيو البطولة برصيد 9 أهداف توجته هدافاً لها وحصل على الحذاء الذهبي، وحل فريقه في المركز الثالث.

وغادر الكوريون أيضاً أبطالاً، حيث حققوا أول إنجاز آسيوي في كأس العالم FIFA، وستبقى مباراتهم في ربع النهائي ضد البرتغال في البال طويلاً، حتى وإن كان الجار الكوري الجنوبي قد تخطى هذا الإنجاز ببلوغه الدور نصف النهائي من كأس العالم التي استضافها على أرضه عام 2002.