عاشت الأرجنتين فترة ذهبية بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي، حيث حققت في عقدين من الزمان لقبين عالميين بينما اكتفت بمركز الوصيف بعد الهزيمة في نهائي إيطاليا 1990، كما اعتلت في مناسبتين منصة تتويج بطولة كوبا أميريكا. وقد حصد نجوم التانجو اللقبين القاريين تحت إمرة المدير الفني ألفيو باسيلي، الذي سافر مع الفريق إلى أمريكا سنة 1994 لخوض نهائيات كأس العالم FIFA بثقة عالية وتفاؤل كبير، حيث كان منتخب الأرجنتين من أكبر المرشحين للظفر باللقب الغالي، وهو الذي لم يتجرع مرارة الهزيمة على مدى 33 مباراة كاملة قبل دخول غمار أبرز العرس الكروي على الإطلاق.

لكن نهاية المشوار الأرجنتيني في المغامرة الأمريكية جاءت على يد منتخب روماني مغمور لم يكن يرشحه حتى أكبر المتفائلين للذهاب بعيداً في تلك النهائيات. بيد أن القائد الرائع جورجي هاجي ورفاقه كانوا في الموعد وساهموا في صنع تاريخ مجيد لكرة بلادهم. وقد كانت المباراة بين المنتخبين عبارة عن معركة حامية الوطيس، سواء داخل أرضية الملعب أو خارجها. وفي ما يلي يستحضر موقع FIFA.com وإياكم ذكريات تلك الموقعة التاريخية التي كان ملعب روز بول في لوس أنجلس مسرحاً لها، والتي شهدت ذروة تألق الجيل الذهبي الروماني بينما أعلنت في المقابل نهاية حقبة ناجحة في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية.

السياق العام
رغم المعاناة الكبيرة التي واجهها المنتخب الأرجنتيني للتأهل إلى المونديال عن طريق خوض مباراة ملحق فاصلة أمام أستراليا، إلا أن نجوم التانغو دخلوا غمار البطولة في الولايات المتحدة وعينهم على اللقب العالمي لتعويض هزيمتهم في نهائي إيطاليا 1990. وقد عول المدرب باسيلي كثيراً على مهارات وقدرات نجوم جيله الذهبي الذي كان يزخر بأسماء رنانة على رأسها الأسطورة دييجو أرماندو مارادونا وفيرناندو ريدوندو ودييجو سيميوني وأبيل بالبو وكلاوديو كانيجيا وجابرييل باتيستوتا. لكن زلزالاً مدمراً أصاب كرة القدم الأرجنتينية بعد فوز ألبيسيليستي على كل من اليونان ونيجيريا في المبارتين الأولتين، حيث أثبتت الاختبارات الطبية تعاطي مارادونا للمنشطات ليتم إيقافه عن المشاركة وإبعاده عن تشكيلة المنتخب، في الوقت الذي أصيب فيه الهداف كانيجيا بتشنج عضلي أمام بلغاريا رمى به خارج التشكيلة الأساسية. ثم جاءت الهزيمة أمام رفاق ستويشكوف لتحكم على أبناء باسيلي باحتلال المركز الثالث في المجموعة الرابعة، لكن ذلك لم يمنع من تأهلهم إلى الدور الثاني، بعدما أنهوا الدور الأول ضمن أفضل أصحاب المرتبة الثالثة.

ومن جهتها، كانت رومانيا بمثابة لغز حير جميع المتتبعين بعد المستوى المتفاوت الذي ظهرت عليه في مجموعتها الأولى. فقد بدأ رفاق جورجي هاجي على نحو رائع بتحقيق فوز ثمين 3-1 على كولومبيا، قبل السقوط بهدف مقابل أربعة على يد المنتخب السويسري الطموح. لكن الفوز 1-0 على أصحاب الضيافة في المباراة الثالثة والأخيرة كان مفتاح التأهل إلى دور خروج المغلوب، وهو إنجاز لم يكن أحد يتوقعه من هذا الفريق القادم من شرق القارة العجوز، لكن أبناء أنجل يوردانيسكو لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد.

المباراة
تحت شمس حارقة ورطوبة عالية في لوس أنجلس، دخل المنتخب الأرجنتيني أرضية الملعب معززاً بلاعبَين جديدَين على التشكيلة الأساسية، بعدما وجد المدرب باسيلي نفسه مضطراً لإدخال بعض التعديلات على مجموعته. وفي ظل إيقاف مارادونا، الذي علق على المباراة لفائدة إحدى القنوات التلفزيونية، وغياب كانيجيا بداعي الإصابة، دخل خوسيه باسوالدو كلاعب أساسي في خط الوسط، بينما اضطلع النجم الصاعد أرييل أورتيغا بدور صانع الألعاب خلف باتيستوتا وبالبو، الذي استعاد موقعه الأصلي كمهاجم متقدم. وفي المقابل، اعتمد الرومان على دفاع محصن معزز بخط وسط متين يتميز بالسرعة الفائقة في قيادة الهجمات العكسية.

وبدأت كتيبة يوردانيسكو على نحو مثالي لم تكن تحلم به أبداً، حيث تمكن برونيا من التصدي بنجاح لهجمتين مباغتتين من تنفيذ باتيستوتا وبالبو، قبل أن يفتتح دوميتريسكو باب التسجيل لصالح رومانيا في الدقيقة 11 بتسديدة مقوسة متقنة من ركلة حرة مباشرة لم تترك أي حظ للحارس لويس إيسلاس.

ولم ينل اليأس من نجوم الأرجنتين الذين سرعان ما بادروا إلى الهجوم بحثاً عن إدراك التعادل في أقرب وقت ممكن، وهو ما تأتى لهم في الدقيقة 16 من ركلة جزاء نفذها جابرييل باتيستوتا بنجاح بعدما عرقله برودان داخل منطقة الجزاء. لكن نجم فيورنتينا لم ينعم بوقت كاف للاحتفال بهدفه الرابع في البطولة، إذ لم تمر سوى دقيقتان حتى وجد نجوم التانغو أنفسهم متراجعين في النتيجة مرة أخرى بعدما استغل الرومان هجمة معاكسة أحسن استغلال وانتقلوا بسرعة البرق من الدفاع إلى الهجوم ليتوغل دوميتريسكو كالسهم في منطقة المنتخب الأرجنتيني مستفيداً من تمريرة ميليمترية من رِجل هاجي قبل أن يودع الكرة في شباك إيسلاس بلمسة ساحرة بقدمه اليسرى.

وبعد مرور 18 دقيقة من عمر المباراة، كان نجوم المنتخب الروماني قد بلغوا مرمى الأرجنتين مرتين من أصل هجمتين فقط، بينما واصل أبناء باسيلي سيطرتهم على أطوار اللعب بالتحكم في الكرة والاستحواذ عليها والأخذ بزمام المبادرة. وشهد الشوط الأول إثارة وتشويقاً لا مثيل لهما، لدرجة أن العديد من المراقبين شبهوه بمباراة في كرة السلة لكثرة أهدافه وهجماته على مرمى الفريقين معاً. فبينما كثف الأرجنتينيون مجهوداتهم الحثيثة في سبيل تسجيل هدف التعادل، حيث تمكنوا من خلق العديد من الفرص التهديفية الواضحة، حافظ الرومانيون على تكتيكهم الصارم وكانوا قاب قوسين أو أدنى من توسيع الفارق كلما شنوا هجمة معاكسة على حين غرة، مستفيدين من سرعتهم الخارقة والمساحات الفارغة التي يتركها لاعبو خط وسط الألبيسيليستي.

وقد كان الشوط الثاني نسخة طبق الأصل لسابقه، حيث رمت الأرجنتين بكل ثقلها بحثاً عن تعديل النتيجة، وهو ما كاد أن يتحقق في العديد من المناسبات لولا براعة الحارس برونيا وسوء تركيز المهاجمين. وفي المقابل، واصلت رومانيا اعتمادها على الهجمات المرتدة أكثر فأكثر، وهو ما أعطى ثماره في الدقيقة 58 عندما افتك دوميتريسكو الكرة في نصف ملعب فريقه وانطلق بها بسرعة البرق نحو منطقة جزاء الخصم قبل أن يرسل تمريرة في طبق من ذهب لجورجي هاجي، الذي تخلص بذكاء كبير من المراقبة، ليودعها في الشباك بلمسة رائعة بالقدم اليمنى معلناً عن تقدم فريقه بنتيجة 3-1 أمام استغراب الجميع.

وقد شكل هذا الهدف صفعة قوية للفريق الأرجنتيني الجريح، والذي لم يستسلم أمام صعوبة الموقف وواصل هجماته على مرمى الحارس الروماني الذي كان في قمة عطائه وتألقه، قبل أن يعجز عن إبعاد كرة بالبو بعدما ارتدت من بين يديه التسديدة الصاروخية التي أطلقها كاسريس من خارج المنطقة في الدقيقة 75 (3-2). ورغم دخول رامون ميدينا بيلو محل سانسيني، إلا أن النتيجة بقيت على حالها، حيث حافظ نجوم رومانيا على رباطة جأشهم وبرودة أعصابهم حتى الصافرة النهائية ليضمنوا بذلك تأهلهم إلى ربع النهائي في إحدى أجمل مباريات الدورة على الإطلاق.

نجم المباراة
ما من شك أن كابوس إليي دوميترريكو ظل يطارد مدافعي المنتخب الأرجنتيني في منامهم على امتداد ليالي معدودة. فقد تألق صاحب القميص رقم 11 بشكل لافت في أفضل مباراة في حياته، حيث زرع الرعب في نفوس لاعبي منتخب التانغو من خلال تسجيل ثنائية تاريخية وتهييء الهدف الثالث الذي أمن مرور الكتيبة الرومانية إلى دور الثمانية. وبفضل هذا الأداء المتميز، نجح النجم الروماني في الانتقال من الدوري المحلي، حيث كان يدافع عن ألوان شتيوا بوخاريست، لينضم إلى صفوف أعرق الأندية في كل من إنجلترا وأسبانيا والمكسيك، قبل أن يعود إلى أحضان ناديه الأم سنة 1998 ليضع بعدها حداً لمسيرته الكروية الحافلة.

التصريحات
جورجي هاجي، كابتن المنتخب الروماني
: "لقد أظهرنا أن فريقنا لا يعتمد على الفرديات، بل على تضامن أعضائه الذين يشكلون مجموعة منسجمة ومتناسقة، وهذا هو جوهر كرة القدم. لقد كان دوميتريسكو بمثابة النجم البارز في مباراتنا أمام الأرجنتين، وقد يكون ذلك من نصيب أي لاعب آخر في المباراة القادمة. لقد كانت إنجازاتنا في غاية الأهمية بالنسبة لرومانيا، حيث يتابعنا الناس بشغف كبير في كل أرجاء البلاد. لقد أخبرني بعض أصدقائي أن فوزنا على الأرجنتين كان بمثابة الثورة الرومانية الثانية بعد تلك التي أطاحت بحكم تشاوشيسكو. إنه لشيء رائع فعلاً، إذ حققنا أكبر إنجاز في تاريخ كرة القدم الرومانية على الإطلاق."

دييجو مارادونا، الذي علق على المباراة لصالح إحدى القنوات التلفزيونية: "لقد شاهدت منتخباً أرجنتينياً مختلفاً عن ذلك الذي أعرفه، حيث كنا نشكل فريقاً منسجماً إلى أبعد الحدود وكانت أجواء الفرح والسعادة تلقي بظلالها على المجموعة بأكملها. لكن حذار من القول أن اللاعبين الأرجنتينيين لم يقدموا ما كان يجب عليهم تقديمه فوق أرضية الملعب، إذ أعتقد أننا دفعنا ثمن غياب التركيز في بعض اللحظات المعينة. إنني أعرب عن أسفي العميق لكل أرجنتيني عاشق لمنتخب بلاده ولأي مشجع يحب كرة القدم في كل أرجاء العالم."

تتمة المشوار
سافر المنتخب الروماني بعدها إلى سان فرانسيسكو لخوض موقعة ربع النهائي أمام نظيره السويسري، الذي شكل مفاجأة الدورة بدون منازع. وبعد انتهاء اللقاء في وقته الأصلي والإضافي بالتعادل 2-2، تم الاحتكام إلى ركلات الترجيح التي آلت نتيجتها لصالح رفاق كينيث أنديرسون بواقع 5-4، بعدما فشل كل من بيتريسكو وبيلوديديتشي في هز شباك الحارس توماس رافيلي. أما المنتخب الأرجنتيني، فقد عاد إلى دياره وهو يجر ذيول الهزيمة والإقصاء مسدلاً بذلك الستار على عهد ألفيو باسيلي وجيله الذهبي، حيث استلم دانيال باساريلا دفة الإدارة الفنية بعدما أنيطت به مسؤولية إعداد الفريق لدخول غمار نهائيات فرنسا 1998.

المباراة
3 يوليو/تموز 1994، ملعب روز بول، لوس أنجلس، الولايات المتحدة الأمريكية

رومانيا 3-2 الأرجنتين
الأهداف: إيليي دوميتريسكو (رومانيا) 11 و18، جورجي هاجي (رومانيا) 58؛ جابرييل باتيستوتا (الأرجنتين) 16، أبيل بالبو (الأرجنتين) 75.

تشكيلة الفريقين
رومانيا:
فلورين برونيا، دان بيتريسكو، ميودراج بيلوديديتشي، دنيال برودان، جورجي ميهالي، تيبور سيليميس، إيوان لوبيسكو، جورجي بوبيسكو، دورينيل مونتيانو، جورجي هاجي (كونستانتين كالكا، 86)، إيليي دوميتريسكو (كورنيليو بابورا، 89).
المدير الفني: أنجل يوردانيسكو.

الأرجنتين: لويس إيسلاس، روبيرتو سانسيني (رامون ميدينا بيلو، 63)، فيرناندو كاسيريس، أوسكار روجيري، خوسيه تشاموت، خوسيه باسوالدو، فيرناندو ريدوندو، دييجو سيميوني، أرييل أورتيغا، جابرييل باتيستوتا، أبيل بالبو.
المدير الفني: ألفيو باسيلي.