بعد المشوار التاريخي لأسود الكاميرون ببلوغهم ربع نهائي إيطاليا 1990، علقت القارة السمراء كل آمالها على سفرائها في نهائيات كأس العالم الولايات المتحدة 1994 FIFA، علماً أن أفريقيا كانت ممثلة بثلاثة منتخبات لأول مرة في تاريخ أم البطولات. فقد عاد رفاق روجيه ميلا للظهور في العرس العالمي للمرة الثانية على التوالي، كما نجح أسود المغرب بدورهم في خطف بطاقة التأهل إلى ثالث بطولة لكأس العالم لهم بعدما كانوا أول فريق أفريقي يبلغ الدور الثاني في ملحمة المكسيك 1986، علماً أنهم دشنوا مشاركاتهم المونديالية في نهائيات 1970 على أرض بلاد الأزتيك كذلك. وفي المقابل، كانت نيجيريا ضمن خانة الوافدين الجدد على الحدث الكروي الأبرز.

وبعدما كان الغموض يلف منتخب النسور الطائرة قبل موعد انطلاق البطولة، أكد أبطال أفريقيا آنذاك أن بلادهم أصبحت قوة ضاربة يحسب لها ألف حساب على المستوى الدولي كذلك، حيث تأهل رفاق أموكاشي إلى ثمن النهائي بسهولة بالغة وعن كل جدارة واستحقاق، بينما اكتفى المغرب والكاميرون باقتسام نقطة يتيمة فيما بينهما بعد خوض كل منهما ثلاث مباريات في مرحلة المجموعات. وبغض النظر عن تحقيق التأهل إلى الدور الثاني، حيث وجدوا في طريقهم عملاقاً إيطاليا متمرسا بقيادة نجم يُدعى روبرتو باجيو، حبس النيجيريون جميع الأنفاس وخلبوا كل الألباب بعروضهم الكروية الرائعة وقتاليتهم الخارقة وأدائهم الجماعي المتميز، حيث حافظوا على الزخم الذي تركه سفراء الكرة الأفريقية على مدى النهائيات السابقة.

وبينما تستعد كل من نيجيريا وإيطاليا لانطلاق مسيرتهما في نهائيات كأس العالم جنوب أفريقيا 2010 FIFA، يعود بكم موقع FIFA.com لاستحضار ذكريات التاريخ المشترك بين النسور الخضراء ونجوم الأزوري، حيث أمتعنا الفريقان بموقعة خالدة في الولايات المتحدة الأمريكية 1994.

الرهان
دخل كل من نجوم الأزوري والنسور الخضراء أولى مباريات الدور الثاني بحثاً عن بطاقة التأهل إلى ربع النهائي بأي ثمن وبأي شكل من الأشكال، وقد وقف ملعب فوكسبرو في ضواحي بوسطن شاهداً على واحدة من أروع مباريات البطولة، حيث كان أبطال أفريقيا على مرمى حجر من بلوغ الهدف المنشود ومعادلة إنجاز الكاميرون، إلا أن آمالهم تبخرت في آخر الأنفاس أمام فريق إيطالي استفاد من تجربة لاعبيه وثقل التاريخ، حيث كان الأزوري يملك في خزانته آنذاك ثلاثة ألقاب عالمية بالتمام والكمال.

وكانت النسور الطائرة قد أعلنت عن نواياها منذ المباراة الأولى في بلاد العم سام، حيث استهلت نيجيريا مشوارها المونديالي بفوز عريض 3-0 على نجوم المنتخب البلغاري الذي استجمع قواه فيما بعد وواصل مسيرته إلى المربع الذهبي. وربما تحمل تلك المباراة الإفتتاحية في طياتها أشهر وأبرز لحظة في تاريخ مشاركات الفريق الأخضر في نهائيات كأس العالم FIFA، حيث تناقلت عدسات الكاميرا لقطة احتفال رشيدي ياكيني بتسجيل أول هدف باسم نيجيريا في منافسات كأس العالم، إذ أمسك صاحب القامة الفارعة بالشباك البلغارية وأخذ يعض عليها بشغف وتأثر كبيرين لدرجة أجهش معها بالبكاء وسط فرحة زملائه. وبعد هزيمة صعبة 1-2 على يد الأرجنتين، استعادت النسور الطائرة بريقها واكتسحت اليونان 2-0 في المباراة الثالثة والأخيرة ليتربع أبناء غرب القارة السمراء على مجموعتهم بفارق الأهداف عن بلغاريا مما أهلهم لخوض موقعة دور الـ16 أمام إيطاليا التي وجدت طريقها إلى الدور الثاني بشق الأنفس.

وبينما فوجئ النيجيريون بالإهتمام الإعلامي والجماهيري الذي أصبح يحيط بهم فجأة، فإن نجوم الأزوري كانوا عرضة للكثير من الإنتقادات بسبب مستواهم الهزيل في الدور الأول، وهم الذين أنهوا مونديال 1990 في المركز الثالث خلال البطولة التي استضافوها على أرضهم وبين جماهيرهم. فقد بدأ الإيطاليون مشوارهم في نهائيات 1994 بهزيمة مفاجئة على يد جمهورية أيرلندا (0-1)، علماً أن رصيد نجمهم المدلل روبرتو باجيو كان ما يزال خالياً من الأهداف بعد ثلاث مباريات كاملة في دور المجموعات. لكن أبناء المحنك أريجو ساكي عرفوا كيف ينقذوا ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، حيث انتصروا على النرويج في المباراة الثانية وتعادلوا أمام المكسيك في الإختبار الأخير ليتأهلوا إلى ثمن النهائي بصفتهم أحد المنتخبات صاحبة أفضل مركز ثالث.

بيد أن اللحظات الأخيرة من الوقت الإضافي لمباراتهم أمام نيجيريا شهدت انتفاضة إيطالية مثيرة رافقتها استفاقة رهيبة للهداف وصانع الألعاب المتمرس، مما أعاد إلى الأذهان ملحمة 1982 التي شهدت بداية باهتة لنجوم الأزوري قبل أن يتحسن مستواهم تدريجيا في البطولة، ليرفعوا الكأس الغالية في سماء سانتياجو بيرنابيو بقيادة المهاجم المتألق باولو روسي.

المباراة
ضغطت إيطاليا منذ البداية بغية خلخلة ثقة النيجيريين في أنفسهم، إذ كان نجوم الأزوري يدركون جيداً أنهم كانوا يواجهون منتخباً تنقصه التجربة الدولية. وقد دخل الفريق الأوروبي بقميص أبيض عوض زيه الأزرق المعتاد، لكن ذلك لم يمنعه من خلق فرص سانحة للتسجيل في الأنفاس الأولى من عمر اللقاء. إلا أن رد الأفارقة كان قاسياً، حيث أسكتوا أفواه الجماهير الإيطالية وضربوا بقوة ضد مجرى اللعب. فقد نفذ فينيدي جورج ركنية متقنة في الدقيقة 25 وجدت في طريقها المدافع الأسطوري باولو مالديني، الذي حاول تغيير اتجاهها لكنه حولها إلى إيمانويل أمونيكي، حيث تدخل ابن الثالثة والعشرين بشكل أثار استغراب المتتبعين، إذ عِوض أن يبعد الكرة برجله اليسرى خارج منطقة العمليات حاول معشوق جماهير ميلان حصرها بيمناه، مما أربك توازن الحارس، بينما وجد المهاجم النيجيري نفسه أمام هدية في طبق من ذهب، ليودع الكرة داخل الشباك من لمسة سحرية بخارج القدم.

ولم يكن المنتخب الإيطالي بقيادة ساكي يشتهر بقوته الهجومية، خاصة في ظل تراجع مستوى باجيو، علماً أن الجو الحار لم يكن يصب في مصلحة الأزوري. وفي المقابل، تضاعفت درجة الثقة في صفوف النسور الطائرة، مما زاد من متاعب الكتيبة الزرقاء. فقد نهج الأفارقة أسلوباً دفاعياً محكماً، رغم غياب قائدهم المعتاد ستيفان كيشي، الذي فضل المدرب كليمنس فيسترهوف الإحتفاظ به على دكة الإحتياط، بينما شكلت المباراة فرصة ثمينة لتألق نجمي خط الوسط، جاي جاي أوكوشا وصانداي أوليسيه، اللذين كانا يبلغان من العمر 20 و19 عاماً على التوالي.

ثم ازدادت مهمة إيطاليا تعقيداً في الدقيقة 76 عندما تلقى جيانفرانكو زولا البطاقة الحمراء بعدما أمضى 12 دقيقة فقط فوق أرضية الملعب بعدما حل بديلاً في الشوط الثاني. فقد حاول المهاجم القصير استرجاع الكرة من المدافع أوجوستين إيجوافوين، إلا أن تدخله كان يحمل في طياته شيئاً من الخشونة، ليغادر أرضية الملعب وهو يردد عبارة "لا، لا، لا"، حيث وقف على خط التماس رافضاً الخروج من المستطيل الأخضر تعبيراً عن عدم رضاه على قرار الطرد، بينما هرع عدد من لاعبي المنتخب النيجيري لمواساته.

ورغم هذا السيناريو المفاجئ، تمكن نجوم الأزوري من مواصلة الضغط على نصف ميدان خصمهم العنيد، بينما وقع النيجيريون في فخ التراجع للدفاع وانتظار صافرة النهائية. وعلى بعد دقيقتين من انقضاء الوقت الأصلي، دخل باجيو التاريخ من أوسع أبوابه، حيث كان يحمل مفاتيح المباراة بين قدميه. فقد انبرى روبرتو موسّي لكرة قادمة من الجهة اليمنى ليمهدها في طبق من ذهب لروبرتو باجيو الذي وضع آلامه جانباً وسدد بدقة متناهية داخل الشباك من مسافة 14 ياردة.

وشكلت تلك اللحظة باكورة أهداف باجيو في المونديال الأمريكي، حيث ظهر النجم البارع في الوقت المناسب والمكان المناسب لإعادة البسمة إلى الجماهير التي كانت تتوقع الأسوأ. وبعد أن أثمرت تمريرة دينو باجيو عن ارتكاب خطأ في حق أنطونيو بيناريفو داخل منطقة الجزاء، لم يكن أحد يشك في اسم اللاعب الذي سينبري للكرة من نقطة تسعة أمتار. فبعد أن استسلمت نيجيريا لقدرها على بعد دقيقتين من نهاية الوقت الأصلي، بدا الأفارقة عاجزين عن العودة إلى أجواء اللقاء رغم تضييع ياكيني لفرصة سانحة للتسجيل، ليكون بذلك باجيو ملك المباراة بدون منازع وصانع أحلام كتيبة الأزوري التي واصلت طريقها بثبات إلى النهائي.

نجم النجوم
كانت الفرحة البادية على محيى روبرتو باجيو بعد الدقيقة 88 تحمل في ثناياها مؤشرات الحياة لدى الإيطاليين. لكن عزيمة ابن مدينة كالدونيو لم تتوقف عند هذا الحد، حيث بدا صارماً حازماً عندما وضع الكرة فوق نقطة الجزاء في الدقيقة 100. وكما بدا للجميع أن الكرة التي سددها لإحراز التعادل كانت تملك عينين تعرفان طريقهما بثبات، سدد صاحب "تسريحة الجواد" كرة متقنة لامست العمود الأيمن للمرمى النيجيري، بينما تابعها الحارس بعينيه وهو يرتمي في الجهة المقابلة. وبعدما استعاد عافيته وثقته بشكل كامل، واصل باجيو تألقه في العرس العالمي مسجلاً هدف الفوز الذي منح إيطاليا بطاقة التأهل لنصف النهائي على حساب أسبانيا، قبل أن يحرز ثنائية أخرى في شباك بلغاريا ضَمن من خلالها مكانة للأزوري في موقعة نهائي الأحلام.

التصريحات
لاعب وسط نيجيريا فينيدي جورج: "لا تنتهي المباراة أبداً إلا بإطلاق صافرة النهاية. يجب ألا تستبق الأحداث وتطلق العنان للأفراح والإحتفالات. فقد كنا نملك الكرة بين أقدامنا وكنا نمررها بيننا بثبات، لكننا فقدنا تركيزنا في لحظة معينة. وعندما تلعب أمام لاعبين مثل باجيو، فإنهم يجعلونك تدفع ثمن مثل هذه الأخطاء."

تتمة المشوار
بعد قيادة الأزوري إلى النهائي أمام البرازيل، وبعد استعادة عافيته بشكل شبه كامل، أضاع باجيو الركلة الترجيحية الأخيرة ليكون اللقب من نصيب أبناء السيليساو، بينما تعين على إيطاليا انتظار مونديال ألمانيا 2006 لاعتلاء منصة التتويج للمرة الرابعة في تاريخها. وفي المقابل، استقال فيسترهوف من تدريب نيجيريا بعد نهاية المباراة بقليل، لكن الأداء الباهر لكتيبة النسور في الولايات المتحدة مهد الطريق لتحقيق مجد كروي جديد في بلاد العم سام، حيث عاد أصحاب الزي الأخضر إلى الولايات المتحدة عام 1996 ليخطفوا الذهب الأولمبي في دورة أتلانتا. ثم عاد النيجيريون للمشاركة في العرس العالمي خلال نهائيات فرنسا 1998، إذ نجحوا مرة أخرى في تخطي عتبة الدور الأول، لكنهم سقطوا بسهولة في مباراة ثمن النهائي على يد المنتخب الدنماركي بنتيجة 1-4.