تحت سماء أسبانية زرقاء وساطعة، التقى أفضل منتخبين في كأس العالم أسبانيا 1982 FIFA، فقدّمت إيطاليا وألمانيا الغربية مباراة نهائية مميّزة خلبت ألباب الملايين الذين تابعوها بشغف وترقب. وكانت فورة الإيطاليين في الشوط الثاني هي التي منحتهم لقب كأس العالم FIFA لأوّل مرّة منذ 1938، في حين كان على ألمانيا أن تنتظر حتى 1990 لتكمل ثلاثيتها العالمية.

كانت مباراة حاشدة اجتمعت فيها كوكبة من النجوم في صفوف كلا الفريقين: زوف، وبرجومي، وجنتيلي، وتارديلي والفذ باولو روسي من جهة، وبريجل، وبرايتنر، وفورستر، وليتبارسكي ورومينيجه من جهة أخرى. فكان الموعد مع تسعين دقيقة من الإثارة والمتعة الكروية.

إثارة منذ البداية
أراد الأزوري أن يفرض إيقاعه على المباراة من البداية. لكن الخصم الألماني، تحت إشراف المدرب يوب درفال، كان صاحب الفرصة الأولى بعد دقيقتين من صافرة البداية، عندما اخترق ليتبارسكي الجهة اليسرى ولعب كرة قطرية إلى كلاوس فيشر الذي أعادها إلى ليتبارسكي. وسدّد الجناح المعروف باسم "ليتي"، لكن الحارس الإيطالي الأسطوري دينو زوف أبعد الخطر بسهولة.

ثم دخل القائد الألماني كارل-هاينتس رومينيجه في خضم المواجهة بعد دقائق قليلة، عندما تملّص من برجومي وكابريني في منطقة الجزاء، ثم سدّد كرة طارت بجانب مرمى زوف.

وبعد خمس دقائق، انتفض مقعد بدلاء إيطاليا بأكمله واقفاً بعد اصطدام في الوسط بين فولفجانج دريملر وفرانشيسكو جراتسياني. حيث سقط جراتسياني بعد ضربة قويّة من كتف الألماني الصلب، ولم يكن محظوظاً بالهبوط على كتفه اليمنى. ولكن الحكم البرازيلي أرنالدو كويليو أشار بمواصلة اللعب، وانطلقت ألمانيا بهجمة على الجهة اليسرى في وقت كان لا يزال فيه المهاجم الإيطالي على الأرض عند خط المنتصف والألم يظهر على وجهه.

وأجبر غراتسياني نفسه على النهوض في نهاية المطاف وظل يجاهد عدة دقائق، لكنه لم يصمد لوقت طويل، ودخل بدلاً منه أليساندرو ألتوبيلي بعد سبع دقائق فقط.

المأزق
بعد الهجمات المحمومة التي تبادلها الطرفان في البداية، هدأت المباراة، إذ جرّبت ألمانيا حظها على الممرّ الأيمن مرتين، لكن ليتبارسكي ورومينيجه عجزا عن اختراق الدفاع الإيطالي بقيادة المخضرم جوزيبي برجومي.

مرّ ربع ساعة ولم يتمكن أي من الطرفين من الوصول إلى الشباك، فكانت الهجمات تتكسر عند خط الوسط، ولم تشهد منطقتا الجزاء الكثير من الفرص. وشهدت المباراة لحظة عصيبة للحارس الألماني هارالد "طوني" شوماخر في الدقيقة 23 عندما أراد بيرند فورستر تشتيت الكرة فمرت فوق عارضة زميله مباشرة. ولعب برونو كونتي الركلة الحرة التالية من الجهة اليسرى، لكن الدفاع الألماني بقي صامداً.

ثم نجحت إيطاليا في اختراق دفاع الألمان من الجهة اليسرى عندما عكس ألتوبيلي الكرة نحو كونتي الذي كان بريجل يراقبه عن كثب. ولم يتراجع كونتي ولا بريجل، وكانت النتيجة أن الحكم لم يتردّد في الإشارة إلى نقطة الجزاء. واحتج اللاعبون الألمان وأحاطوا بالحكم كويليو، لكن ركلة الجزاء احتسبت.

تواجه شوماخر وأنطونيو كابريني، وبدا الحارس الألماني أقلّ توتراً من خصمه. وانطلق كابريني، وسدّد فراحت كرته أبعد من الزاوية اليمنى، وضاعت من إيطاليا فرصة التقدم.

وكان الإنذار الأوّل في المباراة من نصيب برونو كونتي في الدقيقة 31، بعد خطأ ارتكبه في حق كارل-هاينتس فورستر. وكانت البطاقة الصفراء وركلة الجزاء الضائعة أبرز ما جاء في شوط أوّل مخيّب للآمال.

كان من الواضح أن الفوز بكأس العالم FIFA يتطلب مزيداً من الجرأة من الطرفين. وجاءت صافرة نهاية الشوط الأول لتعطي مدرب إيطاليا أنزو بيرزوت ونظيره الألماني يوب درفال 15 دقيقة لمراجعة تكتيك الوقت المتبقي من المباراة.

من هو الآمر الناهي؟
افتتح رومينيجه وكالتس الشوط الثاني بقيادة فريقهما نحو نصف الملعب الإيطالي سعياً لرفع الإيقاع الهجومي. لكن كل ما حصلا عليه كان ضربة حرة من على بعد 20 متراً، ثم استعاد الوسط الإيطالي سيطرته تدريجياً. وسعى رجال يوب درفال إلى مواجهة التفوق المهاري لخصومهم بالقوة البدنية، لكن الأزوري لم يكن ليسقط بتلك السهولة. وبداية من الخلف، أفرزت التمريرات الإيطالية القصيرة الدقيقة ضغطاً متصاعداً على الدفاع الألماني.

وفي الدقيقة 57 أسقط شتيليكه برونو كونتي على الجهة اليسرى، واحتسبت ركلة حرة لم يتمكن الدفاع الألماني من تشتيتها بعيداً عن منطقة جزائه، فحصل كونتي على الكرة على بعد 30 متراً من المرمى.

وعرقل رومينيجه المهاجم الإيطالي من الخلف، فاحتسب الحكم ركلة حرة أخرى. وبينما كان الألمان يحتجون لدى الحكم، نفّذ ماركو تارديلي الركلة بسرعة فلعب إلى كلاوديو جنتيلي الخالي من الرقابة على الجهة اليمنى، وعكس جنتيلي كرة عرضية من حافة المنطقة، وعلى رغم عجز ألتوبيلي عن الوصول إليها، جاءت اللحظة المناسبة ليؤكد باولو روسي سمعته كأحد أبرز المهاجمين في تاريخ إيطاليا. حيث وصل في الوقت والمكان المناسبين ووضع الكرة في الشباك برأسه ليمنح إيطاليا التقدم 1-0. وعاد الألمان للاحتجاج مجدداً مطالبين هذه المرة بتسلل، لكن الهدف احتسب وتفوقت إيطاليا.

انفلات الدفاع الألماني
كان ينبغي على ألمانيا الهجوم للإبقاء على فرصتها بتحقيق الفوز. فحث شتيليكه فريقه على التقدّم، وراح يشارك أكثر وأكثر في هجمات فريقه. لكن بقدر محاولات فيشر ورومينيجه وليتبارسكي لإيجاد الفرص حول المنطقة الإيطالية، صمد الدفاع وقام بما يجب لخنق الجهود الألمانية.

وأصبح على يوب درفال أن يجد مخرجاً، فزجّ في الدقيقة 62 بمهاجم إضافي هو هورست هروبيش، ليساعد في البحث عن هدف التعادل بقامته الطويلة وقدرته على اللعب برأسه. ودخل هروبيش في صلب الحركة بعد دقائق قليلة، عندما لعب زميله في هامبورج مانفريد كالتس واحدة من كراته العرضية الشهيرة، فحلّق المهاجم الفارع الطول أمام زوف لكنه لم يتمكن من توجيه رأسيته كما ينبغي.

ارتفع إيقاع المباراة بعد هدف روسي. وفي الدقيقة 69، شنّ جايتانو شيريا هجمة سلسة من منتصف ملعبه، وبينما كان يتقدم حوّل اللعب إلى الجهة اليمنى، حيث انضمّ ألتوبيلي للهجمة ونجح في تخطي بريجل بعد اقترابه من حافة المنطقة، لتذهب الكرة بعد ذلك إلى روسي، الذي نظر إلى يمينه قبل أن يمرّر كرة أرضية نحو شيريا. وفضّل شيريا عدم التسديد، فلعبها بكعبه إلى روسي الذي دخل بحرية إلى منطقة جزاء الألمان، وقام بلعبة قصيرة أخرى استقبلها شيريا أيضاً ليضع ماركو تارديلي على بعد 17 متراً من المرمى في موقع مركزي. وسدّد تارديلي في الزاوية اليمنى كرة ضاع توازن الحارس شوماخر على إثرها ليضاعف تقدّم الإيطاليين.

وفي مقاعد كبار الشخصيات، قفز الرئيس الإيطالي أليساندرو برتيني فرحاً من مكانه حيث كان يجلس إلى جانب الملك الأسباني خوان كارلوس. كان الهدف الثاني بمثابة هدف الحسم.

إيطاليا تنتصر في المعركة
مع بقاء 20 دقيقة فقط على نهاية الوقت، كان على ألمانيا تسجيل هدفين لفرض وقت إضافي. قام درفال بتغيير إضافي، فأخرج قائده المرهق رومينيجه ودفع بهانزي مولر في محاولة أخيرة يائسة. وبدأ التوتر يتسرب إلى المباراة، وكان شتيليكه محظوظاً بحصوله على بطاقة صفراء فقط إثر احتكاكه مع الحكم في الدقيقة 73.

كانت ألمانيا بحاجة ماسة للتسجيل كي تعود إلى أجواء المباراة، لكن هجماتها أصبحت غير منسقة وعلى نحو متزايد من العشوائية. ولم يكن التكتل في المنطقة والتسديد من مسافات بعيدة كافيين لإزعاج حامل اللقب العالمي مرتين.

ثم في الدقيقة 81، وجّهت إيطاليا الضربة القاضية. حيث انطلق برونو كونتي من نصف ملعبه نحو مرمى الخصم، ومع تقدم الدفاع إلى الأمام، كان لدى كونتي وقت كاف للتمرير إلى ألتوبيلي الذي أفلت من مراقبه على بعد 11 متراً من المرمى. خرج شوماخر لملاقاته، لكن ألتوبيلي سدّد بنجاح مسجلاً الهدف الإيطالي الثالث. وأصبحت المباراة بحكم المنتهية منطقياً وإيطاليا على بعد 9 دقائق من الحصول على لقبها الثالث في كأس العالم FIFA.

لكن النتيجة النهائية كانت 3-1 بعد تسجيل بول برايتنر هدف التعزية لألمانيا قبل 7 دقائق من النهاية. وكانت ردة فعل برايتنر تعبّر عن مزاج المنتخب الألماني: لا احتفال ولا حتى ابتسامة، مجرّد نظرة من رجل عرف أن فريقه لم يتمكن من منازلة خصمه في تلك المواجهة.

قد تكون المبارزة الرائعة في نصف النهائي أمام فرنسا قد أتعبت المانشافت كثيراً، أو ربما كانت إيطاليا قوية للغاية في تلك الليلة، لكن هناك أمراً واحداً مؤكداً، هو أن ذلك الفريق ذا المواهب الفنية الرفيعة القادم من جنوب أوروبا كان جديراً بإحراز كأس العالم أسبانيا 1982 FIFA.