"الإجهاز على المارد العملاق في ملعب جاينتس." بهذه العبارة التي تحمل في طياتها بعداً قتالياً وصفت صحيفة الإندبندنت الإنجليزية في 11 يونيو/حزيران عام 1994 الحدث المثير الذي شهده ملعب جاينتس في نيوجيرسي قبل أيام من ذلك.

كان الحدث هو خروج حامل اللقب، المنتخب الألماني بشكل مفاجئ من دور ربع نهائي كأس العالم الولايات المتحدة 1994 FIFA لتكون المرة الأولى منذ 1978 التي يعجز فيها المانشافت عن بلوغ نهائي كأس العالم.

والمثير هو أن هذا الإقصاء لم يأت أمام منتخبات عملاقة مثل البرازيل أو إيطاليا أو الأرجنتين وإنما جاء على يد المنتخب البلغاري المتواضع، والذي كان يبحث في الولايات المتحدة الأمريكية عن أول فوز له في مسابقة كأس العالم التي يشارك فيها للمرة السادسة في تاريخة ( لكن بدل فوز واحد حقق في الأخير أربعة انتصارات).

الكواليس
ظهر حامل اللقب، بوجهين مختلفين في البطولة، ففي دور المجموعات حققت ألمانيا فوزين صعبين أمام بوليفيا بهدف دون مقابل وأمام كوريا الجنوبية بنتيجة 3-2، كما تعادلت مع أسبانيا بهدف لمثله، وكان ذلك كافياً لاحتلال الألمان صدارة المجموعة. وفي ثمن النهائي قدمت الماكينات الألمانية أداء قوياً أمام بلجيكا وفازت عليها بنتيجة 3-2.

بالمقابل بدأ البلغار المسابقة بقوة وفازوا في مباراتهم الأولى على نيجيريا بثلاثية نظيفة، قبل أن يسحقوا اليونان بأربعة أهداف كاملة وينهوا دور المجموعات بانتصار ثالث على الأرجنتين بنتيجة 3-0 أيضاً. بعد ذلك واجه الأسود المكسيك في ثمن النهائي، وفازوا عليها بالركلات الترجيحية بعد التعادل (1-1) ليحجزوا بذلك مقعداً في دور الثمانية ويحققوا إنجازاً تاريخياً غير مسبوق لبلادهم.

مجريات المباراة
لم ترق المبارة، خصوصاً في شوطها الأول، لمستوى تطلعات أكثر من 72 ألف متفرج ملأوا مدرجات ملعب نيويورك جاينتس. ورغم السيطرة الطفيفة للمنتخب الألماني إلا أنه عجز عن فك شفرة الدفاع البلغاري. وفي الشوط الثاني نجح لوثر ماثيوس في إحراز هدف التقدم للمانشافات من ركلة جزاء، أعلن عنها الحكم بعد عرقلة يورجن كلينسمان في المنطقة المحرمة.

بعدها سدد أندرياس مولر كرة ارتطمت بالقائم، قبل أن يسجل زميله رودي فولر الهدف الثاني للمنتخب الألماني لكن حكم المباراة رفضه بدعوى تسلل ليستمر التشويق على أرضية الملعب. ولم تمض سوى دقائق معدودة حتى تغيرت المباراة رأساً على عقب وحدث ما لم يكن في الحسبان. ففي الدقيقة 75 سجل النجم البلغاري خريستو ستويتشكوف هدف التعادل من ركلة حرة مباشرة. بعدها بمائة وثمانين ثانية فقط، أطلق لوردان ليتشكوف رصاصة الرحمة على الفريق الألماني بتسجيله هدفاً ثانياً كان كافياً لإخراج حامل اللقب من المنافسات.

النجوم
دخل المنتخب الألماني هذه المباراة معززاً بتسعة لاعبين متوجين بلقب ألمانيا 1990 بالإضافة إلى اللاعب أندرياس بريمه الذي تم إقحامه في الشوط الثاني. غير أن أغلب هؤلاء كانوا بعيدين عن مستواهم المعهود.

بخلاف ذلك لم يكتف "الجيل الذهبي" الذي مثله ستويتشكوف وكلاسيمير بلاكوف وإميل كوستادينوف بإحراز أول فوز للمنتخب البلغاري في كأس العالم FIFA، وإنما صنع فرحة كبيرة غمرت كل أرجاء البلاد.

وقد كتبت صحيفة فرانس سوار آنذاك في أحد عناوينها "ستويتشكوف وليتشكوف سيظلان للأبد بطلين لأمة لم يسبق لها قبل أسبوعين أن فازت ولو بمباراة واحدة في كأس العالم." وتوّج المسار المتميز لبلغاريا في كأس العالم FIFA بإحراز ستويتشكوف جائزة حذاء adidas الذهبي الذي يمنح لأحسن هداف في البطولة (والتي فاز بها مناصفة مع الروسي أوليج سالينكو).

ردود الفعل
"كانت هناك الكثير من الصراعات داخل الفريق، والأجواء كانت سيئة أيضاً، ولا يمكن مقارنتها بتلك التي سادت في كأس العالم 1990، حيث كان كل شيء على أحسن ما يرام. في بطولة 1994 شغلنا أنفسنا بالأشياء الصغيرة كما أن سقف متطلبات اللاعبين أصبح عالياً والمدرب السابق بيرتي فوجتس كان قاسياً بعض الشيء. كنا نملك فريقاً قوياً وكانت طموحاتنا كبيرة. لكننا انهزمنا أمام بلغاريا 2-1 وخرجنا من ربع النهائي. وكنا نسعى على الأقل لبلوغ المربع الذهبي،" لاعب وسط المنتخب الألماني أندرياس مولر.

"بعد تسجلينا الهدف الأول انهار المنتخب البلغاري، لكننا نسينا أن نضيف الهدف الثاني. بعدها نجح البلغار في تسجيل هدفين حاسمين من محاولتين،" كابتن المنتخب الألماني لوثر ماتيوس.

"كان في الحقيقة انتصاراً سهلاً. فمنذ البداية كنا الفريق الأفضل. كما كنت محظوظاً في تسجيل هدف من ركلة حرة مباشرة في يوم عيد ميلاد ابنتي. بشكل عام قضيت شهراً رائعاً أنا وزملائي الرائعين في المنتخب الوطني. وبفضلهم أحرزت جائزة الحذاء الذهبي التي أهديتها لهم في السابق،" مهاجم المنتخب البلغاري خريستو ستويتشكوف.

"كان يوماً رائعاً في تاريخ الكرة البلغارية،" مدرب بلغاريا ديميتار بينيف.

بعد المباراة
توقفت سلسلة انتصارات المنتخب البلغاري في المربع النهائي، حيث انهزم رفاق ستويتشكوف بنتيجة 2-1 أمام إيطاليا، قبل أن يتلقوا هزيمة ثانية في مباراة تحديد المركز الثالث أمام السويد وبرباعية نظيفة.

أما بالنسبة للمنتخب الألماني فقد حدث تغير كبير في تشكيلته بعد البطولة ، حيث أعلن خمسة لاعبين اعتزالهم اللعب دولياً وهم فولر وبريمه و جيدو بوخفالد وشتيفان إيفنبيرج وبودو إيلجنر، الذي أفصح عن ذلك في غرفة ملابس ملعب جيانتس.

بدوره تعرض المدرب بيرتي فوجتس للكثير من الانتقادات بسبب الخروج المبكر من كأس العالم FIFA، وأعاب عليه النقاد تشبثه بنفس اللاعبين الذين فازوا ببطولة ألمانيا 1990 دون السعي إلى ضخ دماء جديدة في الفريق. غير أنه قرر مواصلة المشوار مع المنتخب الألماني ونجح بعد عامين من ذلك، في قيادة المانشافات لإحراز لقب كأس الأمم الأوروبية UEFA في إنجلترا، وهو اللقب الأوروبي الثالث للمنتخب الألماني العتيد.