صحيح أن البطولة تنظم مرة كل أربع سنوات ولا تدوم سوى أربعة أسابيع، لكن نهائيات كأس العالم FIFA تشكل قمة المتعة الكروية لعشاق الساحرة المستديرة في كل حدب وصوب، حيث تستأثر باهتمام الصغير والكبير عندما تجمع صفوة المنتخبات العالمية في مسرح واحد للتباري على لقب بطل الأبطال في أبرز حدث رياضي دولي على الإطلاق.

وتعيش الدولة المستضيفة حالة من الهستيريا على مدى أشهر عديدة، بل وعلى امتداد سنوات كاملة، حيث تبلغ الإثارة ذروتها عند إطلاق صافرة البداية بينما تمني الجماهير المحلية النفس بمساندة نجومها ومواصلة المشوار مع منتخبها حتى يعتلي قمة منصة التتويج ويرفع قائده الكأس الذهبية عالياً في مشهد بطولي يبقى خالداً في الأذهان.

وقد عمت هذه الأجواء الاحتفالية مختلف شوارع ألمانيا وأزقتها عندما استضافت البلاد نسخة 2006 على أرضها وبين جماهيرها، حيث كان كل مشجعي المانشافت يستعدون للمساهمة في تحويل الحلم إلى حقيقة، فتواصلت لحظات الفرح والسعادة على مدى أسابيع في مختلف مهرجانات المشجعين والميادين والساحات العامة التي تزينت بشاشات عملاقة لمتابعة مباريات البطولة. وقد تزايدت مشاهد الفرحة كلما تقدم أصحاب الأرض في المنافسات، حيث أسكت أبناء الداهية يورجن كلينسمان أفواه المنتقدين وقلبوا الطاولة على المشككين بعد تحقيق سلسلة من النتائج الإيجابية والانتصارات الباهرة، لدرجة أن العديد من المتتبعين أطلقوا على المسيرة الألمانية في المونديال الأخير لقب "المغامرة الصيفية"، في إشارة إلى عنوان الفيلم الوثائقي الذي تصدر قائمة إيرادات شبابيك دور السينما في تلك السنة.

وبينما كانت الجماهير الألمانية تمني النفس بنهاية سعيدة لحكاية ألف ليلة وليلة، التي كان أبطالها نجوم كتيبة المانشافت، دقت ساعة الحقيقة يوم 4 يوليو/تموز 2006 في مدينة دورتموند. فقد كان أصحاب الضيافة على موعد مع التاريخ، إذ كانت تفصلهم مباراة واحدة فقط عن التأهل لنهائي كأس العالم FIFA للمرة الثانية على التوالي. لكن الإيطاليين كان لهم رأي آخر، حيث ودع الألمان البطولة بعد موقعة جنونية وصفها أسطورة كرة القدم العالمية، فرانز بيكنباور، بقمة مباريات البطولة، بعدما انتهت بهزيمة مريرة لأصحاب الأرض على يد المنتخب الذي واصل طريقه بثبات ليُتوج بطلاً للعالم بعد موقعة خالدة في برلين.

السياق العام
تصدرت ألمانيا ترتيب المجموعة الأولى بسهولة فائقة بعد فوزها على كوستاريكا (4-2) وبولندا (1-0) والإكوادور (3-0)، قبل أن يواصل نجوم المانشافت صعودهم نحو قمة البطولة بفوز صريح على السويد 2-0 في ثمن النهائي بميونيخ، قبل الإطاحة بغريم الأمس، المنتخب الأرجنتيني، في معركة حامية الوطيس ضمن مباريات دور الثمانية، حيث ضمن أصحاب الأرض تأهلهم إلى نصف النهائي بعد فوز مثير بنتيجة 4-2 في ركلات الترجيح.

ومن جانبهم، أنهى نجوم الأزوري منافسات الدور الأول متربعين على عرش المجموعة الخامسة، بانتصارهم على جمهورية التشيك (3-0) وغانا (2-0)، قبل الاكتفاء بالتعادل 1-1 أمام الولايات المتحدة في المباراة الثالثة والأخيرة. وفي موقعة ثمن النهائي أمام أستراليا، عاد الإيطاليون إلى عادتهم القديمة حيث قاموا بتحصين الدفاع مفضلين عدم المجازفة بالهجوم، ليحققوا فوزاً صغيراً (1-0) بعد مباراة صعبة للغاية، ثم سحقوا بعدها نجوم المنتخب الأوكراني بثلاثية نظيفة في ربع النهائي، ليضمنوا تأهلهم إلى المربع الذهبي بعدما تلقت شباكهم هدفاً يتيماً في خمس مباريات.

سيناريو المباراة
كانت جنبات ملعب دورتموند مملوءة عن آخرها، بعدما حضر الموقعة ما لا يقل عن 65 ألف متفرج، حيث كان أغلب المشجعين الألمان يتوقعون أن يعيد التاريخ نفسه على أرضية فيستيفالين شتاديوم، إذ لم يسبق لنجوم المانشافت أن ترجعوا مرارة الهزيمة في معقل بوروسيا الذي طالما اشتهر بلقب "غرفة الاستراحة" بالنسبة للمنتخب الألماني، علماً أن آخر مباراة لأصحاب الضيافة فوق هذه الأرضية كانت قبل أيام معدودة وانتهت بفوز أبناء كلينسمان على بولندا بهدف دون رد في مرحلة المجموعات.

ولم تدخر جماهير دورتموند أي جهد في دعم أبطالها ومؤازرتهم من أجل بلوغ مباراة نهائية تاريخية أخرى، لكن تلك الهتافات والأهازيج الألمانية لم تنل من عزيمة الإيطاليين، حيث أخذ نجوم الأزوري بزمام المبادرة منذ البداية وأجبروا الحارس يانس ليمان على إنقاذ مرماه من أهداف محققة في العديد من المناسبات. لكن عاصفة البداية الزرقاء سرعان ما انطفأت لتصبح المباراة متكافئة في معظم فتراتها.

وقد اضطلع أندريا بيرلو بدور بطولي في مركز صانع الألعاب داخل صفوف كتيبة مارتشيلو ليبي، حيث أدار إيقاع الفريق الإيطالي بحكمة وثبات طيلة أطوار اللقاء، إذ كان عادة ما يفتك الكرة عند مشارف منطقة جزاء منتخب بلاده فيتقدم بها حوالي ثلاثين ياردة بعد سلسلة من المراوغات والتمويهات الجسدية، ثم يمررها بدقة متناهية في اتجاه المهاجم الزئبقي لوكا توني.   

بيد أن الألمان برهنوا للجميع أن تواجدهم في المربع الذهبي لم يكن بمحض الصدفة، حيث كان منتخب المانشافت الفريق الوحيد من بين رباعي نصف النهائي الذي اعتمد على مهاجمين في تلك المرحلة المتقدمة من البطولة، إذ أقحم كلينسمان كلاً من لوكاس بودولسكي وميروسلاف كلوزه – الذي تربع على عرش هدافي كأس العالم FIFA. وقد زرع ثنائي الهجوم الألماني الرعب في صفوف مدافعي الأزوري، حيث تناوبا على تهديد مرمى جانلويجي بوفون في مناسبات عديدة. لكن هجمات أصحاب الضيافة اصطدمت بصخرة الدفاع الأزرق بقيادة الكابتن فابيو كانافارو، الذي أنهى تلك السنة متوجاً بجائزة FIFA لأفضل لاعب في العالم، حيث سرق جميع الأضواء وتصدر كل العناوين بفضل قتاليته البطولية ونظرته الثاقبة للمباريات وقراءته الخارقة لإيقاع اللعب.

وبعدما استنزف الألمان كل خياراتهم الإبداعية، لجأ أصحاب الأرض إلى القوة البدنية لصنع الفارق أمام نجوم الأزوري، حيث أقحم المدير الفني عدداً من اللاعبين ذوي القامات الطويلة والبنيات الجسمانية الكبيرة سعياً منه إلى افتتاح حصة التسجيل، لكن دخول باستيان شفايشتايجر ودافيد أودونكور لم يأتِ بجديد، لتنتهي الدقائق التسعون على إيقاع البياض ويحتكم الفريقان إلى وقت إضافي.

ومن جهته، فضل مارتشيلو ليبي المجازفة والمبادرة إلى الهجوم، حيث أدخل كلاً من فيتشينزو ياكوينتا وأليساندرو دل بييرو، بعدما استبدل لوكا توني بألبيرتو جيلاردينو، ليصبح بذلك خط الهجوم الإيطالي مشكلاً من ثلاثة لاعبين من الطراز الرفيع. وقد أعطت تلك التغييرات ثمارها، ولو أن الفرج لم يأتِ إلا في الوقت الميت.

فبعد أن تمكن الألمان من خلق بعض فرص التهديف في آخر أنفاس الوقت الإضافي، أبى الحظ إلا أن يقف إلى جانب الإيطاليين هذه المرة، حيث ضربوا بقوة وحققوا الأهم بينما كان الفريقان يستعدان لخوض سلسلة ركلات الترجيح. فقد فشل دفاع أصحاب الأرض في إبعاد كرة طائشة من ضربة ركنية في الدقيقة 119، ليسترجعها بيرلو عند مشارف منطقة الجزاء ويرسل تمريرة متقنة إلى فابيو جروسو المتحرر من الرقابة، ليسددها هذا الأخير مقوسة إلى داخل مرمى ليمان. وبعدها بدقيقة واحدة، استغل دل بييرو تقدم المدافعين الألمان الذين رموا بكل ثقلهم من أجل إدراك التعادل، حيث قاد هجمة معاكسة متقنة أنهاها بنفسه في الشباك الألمانية، ليضاعف النتيجة في لمح البصر ويضمن تقدم منتخب بلاده إلى المباراة النهائية بعد طول انتظار.

التصريحات
"إنها خيبة أمل كبيرة وهزيمة قاسية بالنسبة للفريق، وينبغي علينا أولا أن نتجرع هذه التجربة المرة ونهضمها جيدا. لقد قلت للاعبين أن يفخروا بأنفسهم غاية الفخر." يورجن كلينسمان (مدرب منتخب ألمانيا)

"لقد جاء هذا الفوز ليتوج مجهوداتنا الكبيرة، فقد كنا بكل بساطة الفريق المسيطر خلال معظم أطوار المباراة." مارتشيلو ليبي (مدرب منتخب إيطاليا)

"إنه إحساس مر جدا أن نخسر قبل النهاية بوقت قليل والأصعب أن تجد لذلك تفسيرا، فقد كانت مباراة متكافئة وحظينا بفرص جيدة كان يتوجب علينا استغلالها." فيليب لام (مدافع، ألمانيا)

"لقد بدأت في التفكير في ركلات الترجيح منذ بداية الشوط الثاني من المباراة." جيانلويجي بوفون (حارس مرمى، إيطاليا)

تتمة المشوار
عادت البسمة إلى صفوف لاعبي المنتخب الألماني بعد مرور أربعة أيام على نكسة دورتموند، حيث تفوق أصحاب الضيافة على نجوم البرتغال 3-1 في مباراة تحديد المركز الثالث بمدينة شتوتغارت، وقد شكل ذلك اللقاء مناسبة لتقديم أفضل هدية للحارس الأسطورة أوليفر كان، الذي وضع حداً لمسيرته الدولية عقب الفوز على رفاق كريستيانو رونالدو، علماً أنه شارك في النهائيات كحارس بديل، وهو الذي تُوج بجائزة أفضل حارس في العالم ثلاث مرات.

وفي المقابل، واصلت إيطاليا مغامرتها المونديالية بنجاح منقطع النظير، حيث رفعت سجلها في تلك النهائيات إلى سبع مباريات دون تجرع مرارة الهزيمة بعدما انتصر أبناء مارتشيلو ليبي على المنتخب الفرنسي 5-3 عقب سلسلة ركلات الترجيح في المباراة النهائية الخالدة التي انتهى وقتها الأصلي والقانوني بالتعادل 1-1 بين العملاقين الأوروبيين، ليرفع بذلك نجوم الأزوري اللقب العالمي الخامس في تاريخهم.