عندما ضربت حمى كأس العالم FIFA تشيلي سنة 1962، لم تقتصر إثارة المستديرة الساحرة على الملاعب الأربعة التي استضافت مباريات البطولة. فقد كانت جماهير هذه الدولة الشغوفة بكرة القدم متحمسة للغاية لمشاهدة كل صغيرة وكبيرة من تحركات نخبة لاعبي العالم، بحيث أخذوا يتنقلون في مشارق البلاد ومغاربها لمتابعة نجوم اللعبة الجميلة، من أمثال ليونيل سانشيز وخايمي راميريز وخورخي تورو.  

وقد جال أولئك المشجعون بدرّاجاتهم حول مقرات تدريب المنتخبات في سانتياجو وكلهم أمل بأن يتمكن أصحاب الدار من تحقيق مفاجأة في البطولة. وقد كان اقتناص تذكرة عبور للمباراة النهائية في متناول اليد، وهو ما داعب مخيلة الجماهير المحلية.  

فقد كانت تشيلي قد تجاوزت عقبة كبيرة عندما تخطّت المنتخب الإيطالي الزاخر بالنجوم وبلغت الدور ربع النهائي، ومن ثم أطاحت بمنتخب الاتحاد السوفيتي الذي كان قد توّج بلقب النسخة الأولى من بطولة أمم أوروبا. وبذلك بلغ أصحاب الأرض المربع الذهبي. كانت ثقة أبناء تشيلي كبيرة بعد النتائج المشرفة التي حققوها، ولاح في الأفق نصف نهائي مثير أمام حاملي لقب العالم البرازيليين والذي سيكون العقبة الأخيرة نحو الوصول إلى النهائي الأكبر وللمرة الأولى في تاريخ البلاد.  

ورغم أن البرازيل كانت مرشحة بقوة قبل انطلاق البطولة للذهاب بعيداً في المنافسات، إلا أن طريقها لنصف النهائي لم يكن سلساً. فقد تعرّض نجم الفريق بيليه لإصابة في مباراة المرحلة الثانية من دور المجموعات وهو ما أبعده عن بقية منافسات البطولة، ولذلك تحوّل اعتماد البرازيليين إلى جارينشا أملاً بقيادته فريقه لمنصّة التتويج.  

وبعد اقتناص هدفين في الفوز على إنجلترا 3-1 في الدور ربع النهائي، حصد لاعب الجناح المتألق اثنين آخرين بعد 32 دقيقة من اللقاء مع تشيلي في الملعب الوطني للعاصمة سانتياجو. ورغم تأخر أصحاب الأرض بهدفين، إلا أنهم استمروا في الاستبسال على أرضية التباري ونجحوا في تقليص الفارق من ضربة حرة رائعة سددها خورخي تورو قبيل انتصاف عمر اللقاء، وهو ما جعل تشيلي برمّتها تحلم مجدداً بإمكانية تحقيق المبتغى.

ورغم أن أصحاب الضيافة بذلوا الغالي والنفيس، إلا أن كلمة الفصل كانت للبرازيليين في النهاية الذين سجلوا هدفين في الشوط الثاني بتوقيع فافا أتى الأول عبر متابعة من ركنية سددها جارينشا لتنتهي المباراة الماراتونية بنتيجة 4-2.

وفي تعليق له عن المباراة، قال المدافع البرازيلي ماورو: "كنا على قناعة بأنها ستكون مباراة صعبة. كان لدى تشيلي منتخب جيد يضمّ لاعبين اثنين أو ثلاثة ممتازين، كما إن الجماهير كانت تساندهم. لكن لحسن الحظ لم يتمكن أحد من الوقوف في وجه جارينشا ذلك اليوم".

وبينما انتابت جماهير تشيلي خيبة أمل كبيرة بعدم القدرة على بلوغ نهائي كأس العالم على التراب الوطني، إلا أن جائزة الترضية تمثّلت بالفوز على يوغوسلافيا في مباراة تحديد أصحاب المركز الثالث لتحقق تشيلي بذلك أفضل نتيجة كروية في تاريخها. والآن، وبعد مرور 55 سنة على تلك الموقعة عام 1962، تستعد تشيلي لمواجهة الأرجنتين في تصفيات كأس العالم في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث تتطلّع جماهير منتخب "لا روخا" بإتمام مشوار التصفيات بتذكرة عبور إلى روسيا 2018، لتكون المشاركة العاشرة للبلاد في العرس الكروي العالمي.  

وبالنظر إلى أن في رصيد تشيلي لقبان متتاليان في كأس أمريكا الجنوبية، فهل سيكون باستطاعتها الذهاب لخطوة أبعد من المشاركة سنة 1962 بالوصول إلى نهائي روسيا 2018؟

هل تعلم؟

تُعرض الكرة الرسمية لكأس العالم 1962 في متحف FIFA العالمي لكرة القدم.