بمجرد الحديث عن لويس فيليبي سكولاري، يتبادر إلى الذهن اسم هرم من أهرام التدريب في عالم الساحرة المستديرة، ليس فقط على المستوى الكروي ولكن أيضا على المستوى الإنساني. ولاشك أن دردشة مع هذا المدرب الداهية كفيلة بإغناء معرفتنا بأفكار وأمثلة مهمة ومفيدة.

وكان لموقع FIFA.com حديث مطول مع المدير الفني الحالي لنادي بالميراس، حيث لم يدخر سكولاري وقتاً ولا جهداً لإحاطتنا بكواليس مهامه الحالية وخبايا ماضيه مع تشيلسي وآماله المستقبلية ورغبته في قيادة أحد المنتخبات في كأس العالم البرازيل 2014 FIFA، والتي قال أنها ستكون آخر محطة له في مساره كمدرب.

بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تحققها في المستقبل القريب، نلاحظ  التطور الواضح في أسلوب لعب بالميراس في الأشهر الأربعة الأخيرة، أي بعد توليك مهام قيادة دفة الفريق. هل كانت تلك المهلة التي حددتها لجني ثمار عملك والظهور بالمستوى الذي يليق بسمعة الفريق؟
كانت فكرتي الأولية منذ العودة إلى حضن الوطن هي عدم تدريب أي فريق إلى غاية يناير/كانون الثاني. لكن سرعان ما تدفقت علي العروض من فرق إنترناسيونال بورتوأليجري وفلامينجو وعرض بالميراس الذي كان يجتاز مرحلة صعبة. حينذاك، قلت في نفسي "الحياة قدر، فلماذا أؤخر عملا ربما كان البدء فيه منفعة لي وللفريق. لأنه ستكون لي مهلة ستة أشهر لإعداد فريق متكامل وقادر على المنافسة مع أعتد الأندية". وكان ذلك ما فعلت، حيث فرضت أسلوب عملي وأدخلت بعد التعديلات على الفريق في المباريات الثماني أو العشر الأولى. أظن  أن الفريق تحسن كثيرا خصوصا في الأسابيع الست الأخيرة. صحيح أننا لم نصل بعد إلى القمة المنشودة ولم نحقق انتصارات بينة، لكننا لم نكن لقمة سهلة لخصومنا ولم تكن هزائمنا مخجلة.

وربما تعد هذه إحدى الصفات التي تميزك عن بقية المدربين، أي إعداد فريق قادر على التأقلم مع كل مباراة على حدة وخلق أسلوب لعب يتماشى تكتيكيا مع خطة الفريق المنافس...
هذا صحيح، لأنه لا يمكن أن تنسج خطة محكمة وناجعة دون الدراية التامة بمؤهلات الفريق الذي تدربه. فعلى سبيل المثال، يفتقد بالميراس لرأس حربة سريع قادر على الجري وراء كرة نرسلها له على بعد 50 مترا. لهذا، من الضروري علينا التمرن واكتساب أساليب لعب جديدة وعدم الاعتماد على اللعب في الخطوط الخلفية، وهو الأسلوب الذي انتشر كالداء في أوساط العديد من الأندية التي يرتكن أكثر من نصف عدد لاعبيها في الدفاع. وهذا من الأساليب التي لا تساهم في تطوير كرة القدم وخلق الفرجة.

هل تتفق مع من يرون أن سلاحك الأساسي يكمن في العمل الذي تنجزه خارج رقعة المستطيل الأخضر، والذي تهدف من خلاله إلى تحفيز اللاعبين والرفع من معنوياتهم؟
أتفق نسبيا مع هذا الطرح.أسعد دائما حين أرى اللاعبين على وعي بأنني أدافع عنهم كأب. ولا يجب أن أخفي معطى آخر، إذ كلما دخلت مباراة جديدة، إلا وأحسست بأنني مدرب للفئات الشابة، بالرغم من تجربة ثلاثة عقود في مساري كمدرب. فبفضل هذا الإحساس، أخوض كل مباراة على حدة كما لو كانت الأولى في مساري ولا أنسى المكانة التي أحظى بها عند اللاعبين وكذلك دوري المتمثل في حماية الفريق. وأعي من جانب آخر أن لاشيء يأتي من العدم، وأنه من الضروري التضحية لصنع فريق متكامل. فمن يعتقد أن بإمكانه فهم فريق في عشرة أيام ويعد بتحقيق النتائج بعد ذلك، فهو مدرب غير صالح. مثل هؤلاء المدربين لا يدومون على رأس الإدارة التقنية لأكثر من ثلاثة أشهر. أما أنا، فدائما ما أبقى في منصبي لمدة لا تقل عن سنتين أو ثلاث مع الفرق التي أدربها، بعدما أكون قد تفحصت كل صغيرة وكبيرة وعاينت عن قرب مستوى كل لاعب على حدة في الأشهر الست الأولى. وبعد ذلك فقط أكون مستعدا لأن أقول جهرا بأني أعرف جيدا الفريق الذي أدربه.

وماذا تقول حول تجربتك رفقة تشيلسي وما هي الأشياء التي افتقدتها في الفريق، والتي حالت دون بقائك في منصبك لفترة طويلة؟
لقد شعرت إدارة النادي بالقلق حيال افتقادنا للدينامية والروح التي تميز النادي في المباريات الكلاسيكية التي لم نفز بأي منها، وأنا أتفهم هذا الموقف. ولكننا لم نكن سيئين إلى هذه الدرجة ولم تكن تفصلنا عن متصدر الترتيب سوى نقطتان أو ثلاث. ويضاف إلى ذلك وجود لاعبين لم يستسيغوا التغييرات التي قمت بها داخل الفريق ولا بعض القرارات التي اتخذتها على صعيد مواقع بعضهم. وهذا بالضبط ما شكل عائقا وحال دون الاستمرار في قيادة دفة الفريق في أجواء غير مريحة قاومت خلالها عناد لاعبين أو ثلاثة ممن فقدوا الروح الرياضية والإحترافية وتصرفوا بشكل غير لائق.

ولم يكن ذلك تقصيرا مني، على العكس تماما، إذ طلبت من اللاعبين أن يولوا اهتماما ليس فقط لتشيلسي بل لمسارهم الرياضي ككل. لكنهم وللأسف لم يتفهموا وجهة نطري وإرشاداتي. وكان هذا حجر عثرة في وجه الأهداف التي سطرتها مع الفريق. دائما ما تشك الأندية الأوروبية في طريقة عمل المدربين المنحدرين من أمريكا الجنوبية الذين يتم التعاقد معهم. وأنا كنت من أمثلة المدربين الذين يعملون بأسلوب لا ينسجم مع الأجواء في الدوري الإنجليزي. نحن في أمريكا الجنوبية نعمل وفق معايير محددة ونركز كثيرا على قواعد اللعبة ونقوم في كل أسبوع مخصص للتدريب بإجراء مباريات تجمع بين اللاعبين الأساسيين والبدلاء على سبيل المثال، وهو العرف الغائب عن الدوري الإنجليزي. وكان هذا كذلك أحد الأسباب التي عجلت برحيلي. لكن المهم من كل ذلك أنني أواصل نفس النهج في عملي، وأنا على يقين بوجود لاعبين طوروا أداءهم  بعد الاستفادة من أسلوبي في العمل، وأنيلكا واحد من هؤلاء. فعلى الرغم من أنه لم يكن أساسيا ولم يشارك بشكل اعتيادي، إلا أنه طور مستواه وأصبح هداف الفريق بين عشية وضحاها. وكذلك أشلي كول الذي، وإن لم يكن يعتمد على رجله اليمنى في اللعب، فقد تمكن من تسجيل هدف بواسطتها. أو كالو، الذي كان يمتاز بسرعته فقط ولم يكن يجيد المراوغات وأصبح بقدرة قادر يراوغ ويمتع ويمرر بدقة. وأما دروجبا، الذي وإن  خانته الإصابة في الركبة، فقد تعافى اليوم بفضل مجهودات الفريق الطبي وبفضل عملي معه، لأنني رفضت إشراكه في المباريات مصابا، وهو الشيء الذي لم يستسغه وكانت له عواقب على مستوى العلاقة الطيبة التي كانت تربطنا. ولكن، بعد 20 أو 30 سنة من الآن، سيتذكر هؤلاء اللاعبون الثلاثة نصائحي لهم. لم أتحدث قبل في هذا الموضوع ولا أتطرق إليه حاليا لتبرير أي شيء. فهمت الأسباب وهذا كل ما في الأمر. لقد حزنت بعض الشيء لأنني تركت النادي مجبرا. أنا من محبي الدوري الإنجليزي وأعشق الكرة الإنجليزية، لكن الأقدار كانت أقوى واضطررت للخروج.

هل تظن أن المياه كانت ستأخذ مجرا آخر إذا لم تكن اللغة هي العائق الذي سرع بانفصالك عن النادي؟
كانت الأمور ستسير بشكل أسهل بالنسبة لي، لأنني حينذاك كنت سألجأ إلى استعمال مفردات عادية وأخرى غالبا ما يتم استعمالها في رقعة الملعب. وقد تكون هذه المفردات في غير محلها ويتم تأويلها بشكل غير صحيح من طرف لاعب كرة القدم. سيكون الأمر مختلفا بكل تأكيد. يسعى المدرب لإيجاد المفردات المناسبة ويبذل مجهودا ذهنيا شاقا لذلك، لكن في كثير من الأحيان تغيب هذه الكلمات ويقف الذهن حائرا عاجزا عن إيجاد الصيغ التي تتناسب مع الموقف الذي نواجهه. لكن إذا كانت البرتغالية لغة الحوار، فأنا مستعد لقول ما أريد وربما أكثر مما أريد.

ما هو السر الذي يجعلك تكسب ثقة اللاعبين والتقرب منهم والعمل معهم كما لو كانوا يمثلون منتخبات بلادهم؟
أنا أسعى لتحويل المنتخب إلى فريق يعمل وفق نظلم النادي. المدرب الناجح هو من يتقرب من لاعبيه، وأنا من المدربين الذين يسطرون أهدافا واضحة أمام اللاعبين. وأعمل دوما على إفهامهم أنه يجب أن يخوضوا المباريات مع منتخباتهم كما لو كانت مباريات للنادي الذي يلعبون له. أنا لا أحتاج لأكثر من 21 يوما للعمل مع أي منتخب قبل دخول غمار المنافسة. إنه وقت كافٍ بالنسبة لي حتى أتحكم في زمام الفريق سواء على الصعيد التقني أو البدني، عكس بعض المدربين الذين يشترطون مهملة تمتد لشهرين لتبرير النتائج المحصلة.

لقد نجح بعض في تقديم عروض مشرفة مع السيليساو، بينما كان أداؤهم متوسطاً داخل أنديتهم. أليس كذلك؟
بلى. كوستينيا على سبيل المثال، والذي لم يكن يشارك أساسيا بروسيا ولم يكن يتدرب، وجهت إليه الدعوة للمنتخب. توصلنا إلى اتفاق مع بيلينينسي وبموجبه تدرب كوستينيا 15 أو 20 يوما قبل استدعائه للمشاركة في كأس العالم 2006. لقد كنت أثق به كثيرا واستدعيته فكان أساسيا. وهناك كذلك مثال رونالدو، ففي سنة 2002، وضع الفريق التقني والطبي خطة تحدد عدد الدقائق التي سيلعبها في كل مباراة خلال تلك المسابقة، وهذا ما حدث في المباراة أمام تركيا والتي كنا متعادلين فيها 1ـ1 قبل أن أقرر إخراجه وتعويضه بلويزاو. كانت تلك خطة مرسومة وكان من اللازم اتباعها. صحيح أن المدربين يتخذون قرارات غير صائبة أحيانا، لكنه من الضروري أيضا اتخاذ مثل تلك القرارات لاسيما إذا كنت تملك بفريقك لاعبين يحظون بثقتك.

وهل يتفهم اللاعب هذه الثقة التي تضعها فيه؟
بدون أدنى شك. سأعطيك مثالا آخر. عندما تحملت مسؤولية قيادة السيليساو، كان ريفالدو واحدا من اللاعبين الذين كانوا يسيلون مداد المتتبعين. ولم أتأخر في الإعلان في أول تصريح لي كمدرب عن إشراك ريفالدو في المباريات العشر المقبلة مع المنتخب، سواء قدم عرضا جيدا أو لا. وكان ذلك سببا لهجوم عنيف ونقدا حادا تعرضت إليه بعد تلك التصريحات. المهم أنه شعر بالثقة التي وضعتها فيه، وأثبت أنه لاعب كبير واختيار تكتيكي ناجح في نسخة كأس العالم تلك.

شاركت في نسختين من كأس العالم ووصلت فيهما معا إلى الأدوار النهائية. هل يراودك حلم المشاركة في نسخة ثالثة؟
سينتهي عقدي مع بالميراس في 2012. وبعد ذلك، أظن أنني سأكون مستعدا للعمل مع منتخب ما وقيادته في التصفيات المؤدية لكأس العالم 2014. وسأضع في المونديال الذي ستنظمه البرازيل حدا لمسيرتي كمدرب. إن كأس العالم منافسة رياضية دولية، تلتقي فيها منتخبات من كافة أرجاء المعمور، و يتواصل فيها المديرون التقنيون والمسؤولون الرياضيون في ورشات عمل وندوات توحد العائلة الكروية العالمية. إنها مسابقة رائعة. وسواء شاركت أم لم أشارك في تلك الكأس، ستكون 2014 آخر سنة لي في عالم التدريب. ربما سأبقى متابعا لشؤون الكرة كمراقب أو في منصب مشابه، لكنني لن أظل متابعا لها بشكل يومي كما هو الحال في الوقت الراهن.